المبحث الثالث: العلاقة السببية بين الخطأ والضرر

يقصد بالعلاقة السببية أن يكون الضرر متولدا عن الخطأ المنسوب للشخص مباشرة أو تسببا ، مباشرة بمعنى اتصال فعل الإنسان بغيره أما تسببا فتعني اتصال أثر فعل الإنسان بغيره.

المطلب الأول: المشاكل القانونية المترتبة عن تحديد العلاقة السببية:

1-تعدد الأسباب المنشئة للضرر الواحد : مثلا رجل مريض بضعف القلب تلقى ضربة عادية أودت بحياته ، والحال أن مثل هذه الضربة ما كانت لتؤثر على حياة رجل سليم. فأين هو السبب الحقيقي للوفاة ؟ هل هو المرض أم الضرب اليسير؟

للإجابة على هذه الإشكالية ظهرت على الساحة القانونية نظريتان ألمانيتان هما:

أ- نظرية تعادل الأسباب: إذ يرى أنصارها أن كل الأسباب التي ساهمت في إحداث الضرر يتعين أخذها بعين الاعتبار، لا فرق بين الأسباب المباشرة والأسباب غير المباشرة. إذ أن كل الوثائق  تستحق أن توصف بأنها سبب للحادث مهما ثبت أن الضرر ما كان ليحدث لولا تظافر هذه الأسباب جميعا.

ب- نظرية السبب الفعال والمنتج: حسب هذه النظرية، لو أن صاحب سيارة تركها في مكان عمومي مفتوحة الأبواب ، فقادها اللص وأثناء رؤيته لرجال الشرطة غير الاتجاه فجأة وضاعف سرعته، الأمر الذي تسبب في وقوع حادثة سير. فإن خطأ اللص هو السبب الحقيقي في وقوع الحادث ولا عبرة بالإهمال الذي ارتكبه مالك السيارة، إلا أن الرأي استقر على تفضيل نظرية السبب المنتج سواء في ميدان القضاء أو في ميدان التشريع، إذ أن السببية المباشرة هي التي يتعين أخذها بعين الاعتبار عند تقرير التعويض المستحق عن الضرر. أما بخصوص باقي الأسباب العرضية الأخرى ، فليس لها من دور في هذا المجال إلا إذا تزامن مفعولها بشكل مباشر مع السبب الجوهري الأمر الذي يجعل مهمة الفصل بين الخطأين أمرا مستعصيا.

2- تعدد الأضرار المترتبة علن الخطأ الواحد: الخطأ الواحد تترتب عليه مجموعة من الأضرار بعضها مباشر والآخر غير مباشر، الأمر الذي يستدعي تحديد نوعية الضرر القابل للتعويض عنه. وقد اعتبر المشرع المغربي (ف 98) من قبيل الضرر القابل للتعويض كلا من الخسارات التي لحقت المضرور فعلا وكذا المصروفات التي اضطر إلى إنفاقها لإصلاح  نتائج الفعل الضار، وكذا ما حرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل.

3- مشكلة التضامن في حالة تعدد المسؤولين عن الضرر الواحد: قد يحدث أن يتسبب مجموعة من الأشخاص في إلحاق الضرر بالغير ، الأمر الذي يتعذر معه نسبة هذا الخطأ لشخص واحد منهم. ، و هو أمر يستلزم مساءلة هؤلاء فيما بينهم بالتضامن كما أكد ذلك المشرع المغربي في ف 99 و100 من ق.ل.ع.

ونظرا لأن التضامن في ميدان المسؤولية المدنية لا يتقرر إلا بوجود نص خاص، أو في الحالات التي تقتضيه طبيعة بعض المعاملات فإن القضاء حاول تمديد نطاق تطبيق هذه المؤسسة ، الأمر الذي أسفر في النهاية عن ظهور نوع من التضامن السلبي الناقص اصطلح على تسميته بالالتزام التضامني.   

المطلب الثاني: أسباب انتفاء العلاقة السببية بين الخطأ والضرر:

عبء إثبات عناصر المسؤولية يتحمله المضرور، و بالمقابل يمكن اامدعى عليه أن يدفع هذه المسؤولية عنه بنفي العلاقة السببية أصلا بين الخطأ والضرر. وإذا لم يكن له ارتباط لا بالفعل ولا بالنتيجة الضارين، فله أن يثبت براءته بتقديم الدليل على أن الضرر كان بفعل أجنبي لا يد له فيه ، كالقوة القاهرة أو الخطأ المنسوب للضحية أو الغير .

1-القوة القاهرة والحدث الفجائي : تعتبر كل من القوة القاهرة والحدث الفجائي من أهم حالات السبب الأجنبي المؤدية إلى انقطاع العلاقة السببية. وخلافا لما كان يراه بعض الفقه التقليدي من أن القوة القاهرة تختلف عن الحدث الفجائي لكون الأولى ذات مصدر خارجي، بينما الثاني يكون ذو مصدر داخلي، وأن الأولى مستحيلة الدفع بالنسبة لعامة الناس، والثاني ما كان غير قابل للتوقع بالنسبة للبعض دون البعض الآخر. فإن الاتجاه  الفقهي المعاصر يذهب إلى تسوية القوة القاهرة بالحدث الفجائي خصوصا في الجانب المتعلق بالآثار القانونية المترتبة عنهما.

وقد عرف المشرع القوة القاهرة أثناء عرضه لأسباب عدم تنفيذ الالتزامات العقدية وذلك في  الفصل 269 الذي ينص على أن » القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية....ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا....«  أما في ميدان المسؤولية التقصيرية فيلاحظ أن المشرع قد نص على القوة القاهرة في ف 95 واعتبرها واحدا من الأسباب المؤدية إلى الإعفاء من المسؤولية إذا لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه.

وللإعفاء من المسؤولية في حالة القوة القاهرة والحدث الفجائي يلزم توافر شرطين هما:

أ-استحالة دفع الضرر الناشىء من القوة القاهرة: لا يكون الفعل من قبيل القوة القاهرة إلا إذا تعذرت مقاومته بأن دخل في عداد المستحيلات التي يستعصي معها دفع الضرر الناشىء عنها. ولا يقتصر هذا الشرط على القوة القاهرة التي تفوق طاقة الجميع كالزلازل.... وإنما يتعين توفره أيضا في الحدث الفجائي متى كانت الاستحالة شبه عامة أما إذا كانت شخصية فلا يعتد بها كسبب للإعفاء.

وهنا يتعين الاحتكام إلى المعيار الموضوعي المجرد الذي يجعل من الشخص العادي مقياسا لما إذا كان الفعل قاهرا أم غير قاهر له وذلك في إطار السلطة التقديرية للمحكمة.

ب-أن يكون العذر القاهر غير متوقع الحصول: هذا الشرط لا يثير إشكالا بالنسبة للقوة القاهرة بخلاف ما عليه الأمر بالنسبة للحدث الفجائي بحيث أن القضاء لا يقبل الإعفاء إلا إذا كان عدم التوقع على درجة كبيرة من المفاجأة. وتطبيقا لذلك فإن المحاكم المغربية لا تعتبر الحوادث الناشئة عن سوء الحالة الميكانيكية للسيارات موجبة لهذا الإعفاء إلا إذا توافرت في الحدث الفجائي الذي يدعيه سائق السيارة عناصر القوة القاهرة حسب ف 95.

2-خطأ المضرور: لم ينص المشرع صراحة على خطأ المضرور كواحد من الأسباب العامة المبررة للإعفاء كما لم يتطرق له في النصوص المنظمة للمسؤولية عن الفعل الشخصي الواجب الإثبات. بخلاف المسؤوليات الموضوعية المبنية على افتراض الخطأ ، حيث ذكر المشرع خطأ المضرور إلى جانب القوة القاهرة والحدث الفجائي كأسباب تبرر دفع مسؤولية الأبوين عن أبنائهم القاصرين وكذا المسؤولية الملقاة على عاتق حارس الشيء وحارس الحيوان.

لكن رغم ذلك لم يمنع هذا السكوت القضاء المغربي من اعتبار هذا الخطأ موجبا للإعفاء من المسؤولية كليا أو جزئيا متى توافرت شروط ذلك.

أ-خطأ المضرور كسبب للإعفاء الكلي من المسؤولية:

لا يكون كذلك إلا إذا توافرت فيه عناصر القوة القاهرة بأن كان غير متوقع ومستحيل الدفع. وسواء كانت المسؤولية شخصية أو موضوعية فإن المدعى عليه هو الذي يتعين عليه إثبات العناصر السابقة.

يعتبر هذا الأمر كافيا لوحده لتقرير الإعفاء الكلي من المسؤولية متى تعلق الأمر بالمسؤولية الشخصية القائمة على الخطأ الواجب الإثبات وكذا بالنسبة للمسؤوليات الموضوعية  باستثناء مسؤولية حارس الشيء في إطار هذه الأخيرة حيث لا يتقرر الإعفاء إلا بإثبات الأمرين التاليين:

                       1-أن الحارس قد فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر.

                       2-أن الضرر يرجع لحادث فجائي أو قوة قاهرة أو لخطأ المضرور.

وإثبات أحد هذين الأمرين لا يغني عن إثبات الثاني.

ب-خطأ المضرور كسبب للإعفاء الجزئي من المسؤولية:

عندما يكون خطأ المضرور مجرد سبب من الأسباب العديدة التي ساهمت في وقوع الضرر فإن إعفاء المطلوب من المسؤولية لا يكون إلا في حدود نسبة الخطأ الذي ساهم به المضرور في وقع الضرر، وللمحكمة في إطار سلطتها التقديرية أن تحول هذه النسبة الخطئية إلى كسر تعويض كالنصف أو الثلث....

وإذا كانت القاعدة العامة هي أن خطأ المضرور  لا يجب غيره من الأخطاء الأخرى حتى ولو كانت تافهة فإن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للأخطاء العمدية.

3-الخطأ المنسوب للغير: إذا كان الخطأ المنسوب للغير هو السبب الوحيد لنشوء الضرر، فهذا يعني إعفاء المدعى عليه كليا، ويطبق هذا الحكم أيضا على الحالات التي يتخذ فيها فعل الغير شكل القوة القاهرة. لكن في حالة ما إذا كان خطأ الغير مجرد سبب من الأسباب التي ساهمت في وقوع الضرر فإن هذه الوضعية تفتح للمضرور بابا إضافيا لمطالبة هذا الغير بالتعويض فضلا عن الدعوى الأصلية التي كانت له ضد المدعى عليه. وميزة هذا التعدد تتجلى في مسألة الطرفين بالتضامن كما أن إعسار أحدهما لا يغني الآخر عن دفع كامل التعويض للمضرور مع احتفاظ الدافع بحق الرجوع على الطرف الذي ساهم أو شارك معه في ارتكاب الفعل الضار.

الفصل الثاني: المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير.

تعتبر هذه المسؤولية خروجا عن مبدأ لا تزر وزر أخرى، لذلك يلزم أن يكون هناك سببا جديا ومعقولا لتحمل الفرد لنتائج أفعال هذا الغير. وهذه المسؤولية على ثلاثة أنواع:

v             المسؤولية عن فعل الغير التي تستلزم إثبات الخطأ.

v             المسؤولية عن فعل الغير القائمة على افتراض الخطأ القابل لإثبات العكس.

v             المسؤولية عن فعل الغير القائمة على افتراض الخطأ غير القابل لإثبات العكس.

المبحث الأول: المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير القائمة على الخطأ الواجب الإثبات.

                        ( حالة مسؤولية رجال التعليم وموظفي الشبيبة والرياضة عن الأطفال والتلاميذ).

رغم أن هذه المسؤولية تقترب من حيث شكلها العام من المسؤوليات الموضوعية، فإنه يسري عليها ما يسري على المسؤولية الشخصية من أحكام خصوصا ما يتعلق بالإثبات إذ أن المشرع قد أسس هذه المسؤولية على الخطأ الواجب الإثبات من طرف المدعي كما ورد في ف 85 مكرر.

المطلب الأول: شروط تطبيق مقتضيات الفصل 85 مكرر (ق.ل.ع):

يتعلق هذا الفصل بمسؤولية رجال التعليم والتي تتحقق بتوافر الشرطين التاليين:

1-أن يوجد طفل أو شاب تحت إشراف معلم أو موظف تابع للشبيبة والرياضة:

أي أن مسؤولية المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة عن الأضرار التي يتسبب فيها الأطفال والشبان الذين هم في عهدتهم تقتصر على الفترات التي يكون فيها هؤلاء تحت إشرافهم، ويتعلق الأمر هنا بأوقات الدراسة أو ممارسة التداريب الرياضية بما في ذلك فترات الاستراحة وأثناء القيام بالرحلات الجماعية للتلاميذ خارج المؤسسة.

أما المقصود بمصطلح المعلمين فيتعين أخذه في معناه الواسع بحيث يكون شاملا لشريحة المعلمين سواء كانوا يعملون في إطار الوظيفة العمومية أو في إطار التعليم الخصوصي. وليس هناك ما يمنع من تطبيق هذه المسؤولية على أساتذة التعليم الثانوي لاتحاد العلة التي تكمن في إمكانية التحكم في سلوك التلاميذ، بخلاف أساتذة التعليم الجامعي الذين لا يخضعون لهذه المقتضيات لانعدام عنصر الرقابة على طلبتهم.

2- أن يتسبب الطفل أو التلميذ أثناء فترة الدراسة أو تلقي التمارين الرياضية في إلحاق الضرر بالغير:

وهنا يتعين أخذ مصطلح الغير في مفهوم الواسع بحيث يشمل الأشخاص الموجودين داخل وخارج المؤسسة التعليمية أو الرياضية.

المطلب الثاني: الأحكام الخاصة بمسؤولية رجل التعليم

مسؤولية رجل التعليم بالمغرب عن الأخطاء التي يتسبب فيها الأطفال الذين هم في عهدته وحراسته لا تختلف في شيء عن مسؤولية رجل التعليم في فرنسا. وهي تقوم على ما يلي:

·       خلافا للمسؤوليات المترتبة عن فعل الغير والمبنية على قرينة افتراض الخطأ تم تأسيس مسؤولية رجل التعليم ومدربي الرياضة على الخطأ الواجب الإثبات، لذا فإن الطرف المضرور هو الذي يتعين عليه أن يقدم  الدليل على نقص الحراسة .

·       عندما يتعلق الأمر بمسؤولية رجل التعليم العمومي فإن الدولة هي التي تحل محله في الأداء. فالمضرور له الحق في رفع دعواه مباشرة ضد الدولة وذلك خلال الثلاث سنوات الموالية لارتكاب الفعل الضار، وفي ذلك نوع من الخروج عن مهلة التقادم المخصصة لسقوط دعوى المسؤولية التقصيرية (5 سنوات) وتعد مدة الثلاث سنوات السابقة مهلة لتقادم الدعوى وليس لسقوط الحق في المطالبة بالتعويض. وبالتالي فهي مدة قابلة للتوقف والانقطاع.

·       أنه يترتب على حلول الدولة محل رجل التعليم العمومي في الأداء إمكانية ممارسة الدولة لدعوى الرجوع. ونظرا لارتباط رجل التعليم بالدولة بمقتضى علاقة التوظيف العمومي فإن دعوى الرجوع يتعين رفعها طبقا لقواعد المسؤولية الإدارية. 

المبحث الثاني: المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير القائمة على افتراض الخطأ القابل لإثبات العكس.

1.                                  مسؤولية الآباء والأمهات عن أبنائهما القاصرين.

2.                                  مسؤولية أرباب الحرف والصنائع عن أخطاء متعلميهم.

3.                                  مسؤولية من يتولى رقابة المجانين والمختلين عقليا.

المطلب الأول: مسؤولية الآباء والأمهات عن أبنائهما القاصرين.

متى تتحقق عناصر هذه المسؤولية؟ وما هو نوع الأساس القانوني الذي تقوم عليه؟

1- شروط تحقق مسؤولية الأبوين عن أبنائهما القاصرين:

هناك ثلاثة شروط:

                  أ-أن يتعلق الأمر بوجود طفل قاصر:

حراسة الآباء لأبنائهم القاصرين تنتهي ببلوغ سن الرشد القانوني، ونظرا لأن القاصر قد يتم ترشيده قبل الأوان فإن المشرع الفرنسي قد تنبه لذلك ونص على أن الأب والأم  لا يعتبران مسؤولان بقوة القانون  عن الأضرار التي يتسبب فيها الابن المرشد في الفترة الموالية للترشيد. وبالرغم من عدم وجود نص بهذا الخصوص في التشريع المغربي فإنه ليس هناك ما يمنع من سريان نفس الحكم عندنا لأن مناط المسؤولية هو استمرار الولاية.

                 ب-أن يكون القاصر ساكنا مع والديه:

أي أن يكون القاصر مقيما مع والديه إقامة رسمية ، ومفهوم المساكنة له أكثر من مدلول إذ هناك من يربط هذه المسؤولية بضرورة أن يكون القاصر ساكنا مع أبويه ويعيش في كنفهما، وهناك من يرى اعتماد معيار الاستقلال في المعيشة. وللإشارة فإن الأب يتحمل المسؤولية عن أبنائه القاصرين حتى ولو كان غائبا عن المنزل أثناء وقوع الفعل الضار. إذ أن الرقابة لا تتعطل بسبب هذه الغيبة متى كانت مألوفة، ثم إن الأب يتحمل المسؤولية عن ابنه القاصر حتى ولو تم ارتكاب الفعل في الوقت الذي كان فيه القاصر هاربا من بيت والديه على أساس أن واقعة التمرد عن السلطة الأبوية دليل على نقص التربية وبالتالي فإن فقدان السيطرة على القاصر في مثل هذه الأحوال لا يحول دون سريان أحكام المسؤولية الواردة في ف 85.

                 ج-أن يحدث القاصر بفعله ضررا للغير:

لا فرق في ذلك بين الضرر المادي أو المعنوي وعلى المضرور أن يقدم الدليل على أن الضرر قد تسبب فيه هذا القاصر دون غيره، وإذا كان هناك من عذر قاهر ساهم في حصول الضرر فإن مسؤولية الأب عن ابنه القاصر ستتلاشى أو تتناقص نتيجة لهذا السبب الأجنبي الذي ساهم في وقوع الفعل الضار.

2- أساس مسؤولية الأبوين عن أبنائهما القاصرين:

أسس ق.ل.ع هذه المسؤولية على فكرة الخطأ المفترض  في جانب من يتولى رقابة شؤون القاصرين. ويتمثل هذا الخطأ المفترض في نقصان الرقابة وسوء التربية، إلا أن قرينة افتراض الخطأ في صف الآباء والأمهات ليست بالقرينة القاطعة وإنما هي قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس، إذ يحق للأبوين نفي المسؤولية عنهما بإثباتهم أن الضرر قد صدر من القاصر في وقت لم يكن بإمكانهما السيطرة على تصرفاته وهذا ما يتحقق في الأوقات التي يكون فيها القاصر في المدرسة أو عند قريب له.

المطلب الثاني: مسؤولية أرباب الحرف والصنائع عن تلامذتهم

معلم الصنعة  أو الحرفة يعتبر واحدا من الأشخاص الذين يتولون رقابة أثناء فترة تعلم الصنعة. ويجمع الفقه الحديث على أن نطاق تطبيق هذه المسؤولية يقتصر على تلامذة الصنعة القاصرين. أما عندما يتعلق الأمر بتلامذة الصنعة الراشدين فإن قواعد هذه المسؤولية تتعطل لأن الذي يتعين الرجوع إليه بالنسبة إليهم هي قواعد مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع. وبالرغم من أن القرينة التي تبنى عليها هذه المسؤولية الأخيرة ليست في صالح الشخص المسؤول إلا أنها تعد أفيد للطرف المضرور لأن القرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس إلا للسبب الأجنبي دون غيره.

ويترتب على ما سبق أن مسؤولية أرباب الحرف والصنائع عن متعلميهم تستمر إلى غاية انتهاء فترة التمرين أو تعلم الصنعة وعودة التلاميذ إلى منازلهم، إذ أنه عند هذا الحد ينقطع واجب الرقابة عليهم، أما إذا كان التلميذ مقيما عند من يلقنه أصول الصنعة، فإن المسؤولية عنهم تستمر إلى غاية مغادرتهم لمكان تعلم الصنعة بأمر من الجهة المسؤولة عنه سواء تعلق الأمر بصانع تقليدي أو مؤسسة للتكوين المهني.

المطلب الثالث: مسؤولية متولي الرقابة على المجانين والمختلين عقليا:

خلافا للمسؤولية عن القاصرين التي حددها المشرع في الأب والأم بعد موته فقط، فإن هذا النوع قد ينتقل إلى واحد من الأقارب أو الأزواج بناء على قواعد الولاية الشرعية على شخص المريض، غير أن ذلك لا يمنع من إسناد هذه المهمة لجهة أخرى. وللإشارة فإن هذه المسؤولية لا علاقة لها ببلوغ سن معينة ما دام المجنون فاقد الإدراك والتمييز.

المبحث الثالث:  المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير القائمة على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس. (حالة مسؤولية المتبوع عن أفعال تابعيه)

المطلب الأول: الشروط اللازمة لقيام مسؤولية المتبوع

1-ارتباط المتبوع بخدمه بمقتضى علاقة تبعية:

إذ يكفي لإعمال هذه المسؤولية أن يكون التابع خاضعا لرقابة المتبوع حتى ولو لم يكن لهذا الأخير دور في اختيار خدمه وتابعيه. وللإشارة فإنه ليس من اللازم أن تكون تبعية العامل للمشغل فنية بل يكفي فيها أن تكون إدارية فالمشغل حتى ولو لم يكن ليفهم في الأصول التقنية للشغل فإنه يسأل عن أخطاء تابعيه.

وإذا لم تتحقق عناصر التبعية كما هو متعارف عليها كعقد المقاولة وعقود المهن الحرة التي تتطلب نوعا من الاستقلال في العمل فإن كل من المقاول والمهندس والطبيب لا يعتبرون أتباعا لزبنائهم ولو كانوا يتقاضون أجورهم عن الأعمال والخدمات التي قدموها لمن تعاقدوا معهم.

لكن أحيانا قد يحصل أن يكون للشخص الواحد متبوعين أو أكثر الأول أصلي والباقي عرضيين، فمن هو المتبوع الذي يتحمل المسؤولية عن أخطاء التابع المشترك لهم؟

بخصوص الحالة التي يعهد فيها المتبوع الأصلي إلى متبوع آخر عرضي بإنجاز عمل وأثناء هذه الفترة يتسبب التابع في إلحاق ضرر بالغير، يجمع الفقه والقضاء المعاصرين على أن المسؤولية عن فعل التابع يتحملها المتبوع الذي يمارس سلطته الفعلية على شخص التابع.

أما بخصوص ما إذا كان الشخص تابعا لأكثر من متبوع واحد على وجه الدوام فإن تحديد المسؤولية عن فعل التابع يختلف باختلاف الوضعين الآتيين:

             أ-في الحالة التي يحمل فيها التابع لحساب مجموعة أشخاص في عمل مشترك بينهم، يفرض المنطق أن يكون هؤلاء الشركاء مسؤولين عن فعل التابع مسؤولية تضامنية.

             ب-في الحالة التي يعمل فيها التابع لحساب أكثر من متبوع بصورة متعاقبة كخدم المنازل الذين يتولون خدمة أكثر من منزل في اليوم الواحد ستحدد المسؤولية في المتبوع الذي ارتكب الفعل الضار عنده.

2-أن يتسبب التابع في ارتكاب الفعل الضار أثناء تأديته للوظيفة المسندة إليه أو بمناسبتها:

             أ-ارتكاب التابع للفعل الضار أثناء تأدية الوظيفة:

بحيث أن التابع إذا أحدث ضررا بالغير خارج نطاق الوظيفة المعهودة إليه بأن تجاوز حدود هذه الوظيفة فإن المتبوع لا يتحمل المسؤولية عنه.

             ب-ارتكاب التابع للفعل الضار بمناسبة الوظيفة:

إن الخطأ الذي يرتكبه التابع بمناسبة الوظيفة أو بسببها هو الذي يكون له ارتباط بمهام الوظيفة التي يتولى التابع إنجازها إذ لولا هذه المهام لما تم ارتكاب الفعل الضار أصلا، مثل الخادم الذي يشاهد مخدومه يتعرض لاعتداء من طرف الغير فيبادر إلى نجدة متبوعه بإلحاق الضرر بهذا الغير.

وبالرغم من أن ق.ل.ع المغربي لم يتطرق لبيان حكم الضرر الذي يرتكبه التابع بمناسبة الوظيفة  فإن القضاء المغربي لم يتردد في تمديد القرينة المنصوص عليها في ف 85 لتشمل الضرر الذي يتسبب فيه التابع بمناسبة الوظيفة المسندة إليه.

مسألة تقدير ما إذا كان الضرر الذي أحدثه التابع مرتبطا بالوظيفة أو بسببها فقط تدخل ضمن السلطة التقديرية لقاضي الموضوع.

3- أن يتولد عن فعل التابع حصول ضرر للغير:

المطلب الثالث: آثار مسؤولية المتبوع عن فعل التابع

عندما تتحقق عناصر المسؤولية المدنية للمتبوع عن أخطاء تابعيه فإن الضحية يتوفر له أكثر  من طريق للمطالبة بحقوقه المدنية إذ له الحق في مقاضاة المتبوع وحده أو الرجوع على التابع وحده لاعتباره طرفا في النزاع أو مطالبة التابع والمتبوع في دعوى واحدة لوجود التضامن بينهما. لكن المضرور غالبا ما يفضل الرجوع على المتبوع وحده لما يلي:

v             استفادته من قرينة افتراض المسؤولية في صف المتبوع.

v             أن المتبوع غالبا ما يكون موسرا أي أن من مصلحة الضحية مقاضاة المتبوع بدل التابع.

v             أن المتبوع لا يحق له دفع هذه المسؤولية إلا بإثبات السبب الأجنبي كالقوة القاهرة والحدث الفجائي.

1-رجوع الضحية على التابع:

ليس هناك ما يمنع المضرور من هذه الدعوى المحفوفة بالصعوبات التالية:

v             أن الضحية يتوجب عليه إثبات خطأ التابع وفقا لقواعد المسؤولية التقصيرية.

v             على افتراض كسب المضرور لهذه الدعوى قد يحول إعسار التابع دون الحصول على التعويض.

الحل الأمثل أمام الضحية هو رفع دعواه ضد كل من التابع والمتبوع معا لوجود التضامن بينهما، لكن هذا لا يعني استحقاق المضرور لتعويضين عن الضرر الواحد لأن في ذلك نوع من الإثراء بلا سبب.

2-رجوع المتبوع على التابع:

بالرغم من أن المشرع المغربي لم يشر صراحة إلى أحقية المتبوع في الرجوع على تابعيه فإن البعض يفسر هذا السكوت على أنه إجازة ضمنية لهذه الدعوى وليس دليلا على منعها. وحق المتبوع في الرجوع على التابع يتحدد في الحالات التي يكون فيها هذا الأخير قد تعسف في استعمال الوظيفة المسندة إليه. أما إذا كان الخطأ الذي ارتكبه التابع من الأخطار المألوفة التي تحتملها طبيعة المهنة أو الوظيفة أو كان ذلك بأمر من المتبوع فإن هذا الأخير لا يحق له الرجوع على التابع.

الفصل الثالث: المسؤولية التقصيرية عن فعل الأشياء الحية والجامدة

تناول المشرع المغربي هذا النوع من المسؤولية الموضوعية في عدة فصول، حيث تناول على التوالي مسؤولية حارس الحيوان، حارس الشيء مسؤولية مالك البناء.

المبحث الأول: المسؤولية التقصيرية عن فعل الحيوان. (ف 86)

تدخل مسؤولية الإنسان عن فعل الحيوان ضمن ما يسمى بالمسؤولية التقصيرية عن مخاطر الأشياء الحية التي يتولى الأفراد حراستها لا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الحيوانات أليفة أو متوحشة  طالما أن هناك جهة تتولى حراسة هذا الحيوان. ولقد خصص الفقهاء المسلمون حيزا مهما من أبحاثهم للمسؤولية عن فعل الحيوان مستندهم في ذلك عدة أحاديث منها على الخصوص قوله (ص): "العجماء جرحها جبار". فالعجماء تطلق على كل مخلوق غير ناطق أما الجبار فهو الهدر الذي لا ضمان لفيه ولا دية.

وبالرجوع ل ق.ل.ع يلاحظ أن المشرع المغربي تساهل نسبيا مع حارس الحيوان حيث أسس مسؤوليته على الخطأ المفترض القابل لإثبات العكس على خلاف معظم التشريعات المدنية التي أسستها على فكرة الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس سواء كان هذا الشيء حيا أو غير حي.

المطلب الأول: شروط تحقق مسؤولية حارس الحيوان

1- وجود حيوان محروس: إن الشخص المسؤول عن فعل الحيوان ليس بالضرورة هو مالكه، فالحراسة قد تنتقل من شخص لآخر بالاتفاق أو عن طريق الغصب، وفي كلا الحالتين فإن المسؤولية عن فعل الحيوان تنتقل تبعا لذلك من مالك الحيوان للحارس الفعلي له.

لكن هناك حالات يسأل فيها المالك عن مضار الحيوان بالرغم من أن الحراسة المادية لهذا الحيوان تكون قد انتقلت لغير المالك، مثل حراسة الخادم لحيوانات مخدومه حيث تكون المسؤولية من نصيب المالك لاحتفاظه بالحراسة القانونية. وقد أكدت جل التشريعات المدنية على بقاء هذه الحراسة القانونية في يد مالك الحيوان عندما يكون هذا الأخير في حالة هروب أو شرود متى كان الهروب تلقائيا، أما إذا حصل ذلك بتدخل من الغير فإن المسؤولية تقع على عاتق هذا الأخير.

وبالرغم من أن المشرع لم يحدد في ف 86 نوع الحيوان الذي تسري عليه قواعد هذه المسؤولية فإن هذا الإطلاق العام لا يمنع من التخصيص، مادام أن الطرف المضرور ليس له الحق في الاستفادة من مقتضيات ف 86 إذا كان الحيوان حرا طليقا.

2- إلحاق الحيوان للأذى بالغير: وهنا يتعين أخذ مصطلح الإذاية في مفهومه الواسع، فهو يشمل كل الأضرار التي يلحقها الحيوان بالغير سواء كانت مادية أو معنوية. وإذا كان الضرر الذي يلحقه الحيوان بالغير لا يثير مشاكل قانونية فإن الأمر على خلاف ذلك عندما يكون المضرور هو حارس الحيوان أو مالكه أو الحيوان نفسه.

فالمالك مثلا لا يسأل عن الأضرار التي تصيب الحارس إلا إذا ثبت الخطأ في حقه بحيث أخفى على الحارس عيوب الحيوان التي تسببت في إذايته. والحارس بدوره قد يسأل عن الأضرار التي تلحق المالك عندما يكون هذا الأخير قد تخلى عن حراسة الحيوان لغيره بصورة نهائية بحيث إذا احتفظ المالك بحراسة الحيوان لنفسه وكان ضحية لعدوان من الحيوان الذي في ملكيته فلن يكون بإمكانه أن يطالب بأي تعويض.

وبالنسبة للضرر الذي يلحقه الحيوان بنفسه –وهو نادر طبعا- مثل اختناق الحيوان وهو في حراسة مالكه.

المطلب الثاني:  الأساس القانوني لمسؤولية حارس الحيوان

يعتبر موقف المشرع المغربي بخصوص أساس مسؤولية حارس الحيوان نشازا بالنسبة لغيره من التشريعات العربية الأخرى، ففي الوقت الذي أسست فيه جل هذه التقنينات هذه المسؤولية على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس إلا في حالة واحدة وهي حصول الضرر نتيجة لتدخل عامل أجنبي إلى جانب الفعل الصادر عن الحيوان كالقوة القاهرة أو الحدث الفجائي، فإننا نلاحظ أن المشرع المغربي أسس هذه المسؤولية على الخطأ المفترض القابل لإثبات العكس وذلك إذا ثبت أن حارس الحيوان:

v             اتخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه من إحداث الضرر أو لمراقبته.

v             أن الحادثة نتجت عن حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ المضرور.

المبحث الثاني: المسؤولية التقصيرية عن تهدم البناء

تعد المسؤولية التقصيرية عن الأضرار التي يتسبب فيها سقوط البناء من أبرز حالات المسؤولية الموضوعية التي خصتها معظم التشريعات المدنية المعاصرة بأحكام مستقلة. وهنا سنتطرق لشروط تحقق مسؤولية حارس البناء في مطلب أول، وللأساس القانوني لهذه المسؤولية في مطلب ثاني، ثم لمعالجة بعض التدابير اللازمة لمنع وقوع مضار الأبنية.

المطلب الأول: شروط تحقق مسؤولية حارس البناء

ينص الفصل 89 ق.ل.ع على: " أن مالك البناء يسأل عن الضرر الذي يحدثه انهياره أو تهدمه الجزئي إذا وقع هذا وذاك بسبب القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء......"

إذن يلزم لتحقق مسؤولية حارس البناء توافر الشرطين التاليين:

v             أن يحصل الضرر بفعل تهدم البناء.

v             أن يكون التهدم ناتجا عن عيب في البناء أو قدم فيه أو قصور في أعمال الصيانة.

1- أن يحصل الضرر بفعل تهدم البناء: يرى ذ.السنهوري بأن البناء هو كل ما شيدته يد الإنسان لتتصل بالأرض اتصال قرار سواء معدا للسكنى أو لأي غرض آخر. وخلافا لمعظم التشريعات حسم المشرع المغربي مصير العقارات بالتخصيص إذ أكد على ضرورة تطبيق نفس حكم العقار بالطبيعة على العقارات بالتخصيص.

ويقصد بانهيار البناء أو تهدمه تفككه وانفصاله عن الأرض التي كان متصلا بها اتصال قرار سواء كان التهدم كليا أو جزئيا على أن يكون هذا الانهيار بطريقة تلقائية. ويترتب على ما سبق أن الأضرار التي تلحق الغير داخل البناء في غير حالات الانهيار لا تخضع للقرينة المنصوص عليها في ف 89 وبالتالي لا يحق للمضرور هنا الرجوع على مالك العقار طبقا لقواعد المسؤولية المفترضة المنصوص عليها في الفصل السابق. لكن من هو الشخص المسؤول عن تهدم البناء؟

لقد تنازع موضوع تحديد الشخص المسؤول عن تهدم البناء اتجاهان تشريعيان الأول ذو أصل لاتيني، يرى أن مالك البناء هو المسؤول عن الضرر الذي يلحق الغير بسببه، والثاني أنجلو سكسوني يرى أن حارس العقار هو الذي يسأل عن مخاطره.

وبالنسبة للمشرع المغربي فبالرغم من اعتباره مالك البناء بمثابة المسؤول عن تهدم البناء كقاعدة عامة إلا أنه حاول الاقتراب من حلول النظرية الثانية عندما أورد على القاعدة السابقة جملة من الاستثناءات التي يكون فيها غير المالك مسؤولا عن مضار تهدم البناء. مثل صاحب حق السطحية الذي تكون ملكيته منفصلة عن ملكية صاحب الأرض المقام عليها البناء.

وقد تنتقل هذه المسؤولية إلى كل شخص تعهد برعاية البناء بمقتضى العقد أو بناء على اكتسابه لحق من الحقوق العينية العقارية كالانتفاع مثلا. أما بالنسبة للعقار الذي يكون محلا لنزاع قائم بين أكثر من شخص فإن المسؤولية تكون من نصيب الحائز الحالي للعقار.

وسواء تعلق الأمر بالتشريعات التي حملت هذه المسؤولية للمالك أو تلك التي حملتها للحارس فإن الفقه والقضاء مجمعان على استبعاد مكتري العقار من تحمل هذه المسؤولية والتي تبقى من نصيب مالك العقار لاحتفاظه بالسيطرة الفعلية بل إن الاجتهاد القضائي يخول للمكتري حق الرجوع على المالك وفقا لأحكام ف 89 عندما يكون هو الطرف المضرور. وللإشارة فإن المشرع المغربي حمل هذه المسؤولية لأشخاص آخرين غير منصوص عليهم في ف 89 كما هو الشأن بالنسبة للمباني التي تكون في طور الإنجاز حيث تحمل هذه المسؤولية للمقاول أو المهندس المعماري أو غيرهما ممن أسندت إليه مهمة البناء. حيث يتحملون هذه المسؤولية تجاه رب العمل والغير.

2- أن يحدث التهدم بفعل أحد الأسباب المنصوص عليها في ف 89:

من خلال التمعن في صيغة ف 89 يظهر أن مالك البناء أو من في حكمه لا يتحملون تبعات هذه المسؤولية إلا إذا حصل الانهيار الكلي أو الجزئي بواحد من الأسباب الثلاثة المنصوص عليها في الفصل السابق وهي: القدم وعدم الصيانة والعيب في البناء. لكن هذه الأسباب الثلاثة ما هي في الحقيقة إلا سببان هما عدم الصيانة ووجود العيب لأن قدم البناء يستوجب الصيانة وبالتالي فإن تهدم نتيجة لذلك يمكن إدخاله في إطار عدم الصيانة.

هل يمكن إخضاع التهدمات التي تحدث بسبب آخر غير المذكورة في الفصل 89 كالحريق مثلا؟

استقر الرأي بشأن الحريق على وجه الخصوص على إخراج هذه الحالة من نطاق المسؤولية المفترضة، ومع ذلك ظهر للوجود هذا الموضوع تعلق هذه المرة بتحديد طبيعة المسؤولية الناجمة عن الحرائق المرتبطة بالعقارات. فقد كان هناك اتجاه قضائي مغربي قديم يرى تأسيس هذه المسؤولية على الخطأ الواجب الإثبات، ولصلابة هذا الرأي تحول عنه القضاء المغربي تدريجيا إلا أنه تأكد هذا التحول بصورة قاطعة منذ القرار المبدئي الذي صدر عن المجلس الأعلى سنة 1958 الذي ورد فيه بأن ف 88 يطبق على العقار والمنقول على حد سواء كيفما كان مصدر الضرر وذلك باستثناء الحالات المنصوص عليها في ف 89 ونتيجة لذلك فإن المحكمة كانت على صواب عندما طبقت مقتضيات ف 88 على الضرر الناشىء عن الحريق الذي شب في أحد الأبنية الأمر الذي تسبب في إلحاق الضرر بالجيران.

المطلب الثاني: الأساس القانوني لمسؤولية مالك البناء: يتبين من خلال ف 89 أن هذه المسؤولية مبنية على خطأ مفترض في جانب المالك أو من يتولى رعاية العقار، إلا أن هذا الافتراض في الخطأ ليس قاطعا وإنما يمكن دحضه بالبينة المعاكسة من طرف مالك البناء. غير أن افتراض هذا الخطأ في صف المالك لا يعني أن المضرور يعفى من كل إثبات، إذ يتعين على المضرور تقديم الدليل على أن الضرر الذي أصابه كان نتيجة لتهدم البناء كليا أو جزئيا وأن التهدم كان إما بسبب انعدام الصيانة أو عيب في البناء.

وللإشارة فإن قرينة افتراض الخطأ المنصوص عليها في ف 89 والتي يتحمل المالك بموجبها تبعة انهيار البناء بفعل واحد من الأسباب المذكورة في نفس الفصل لا تمنع المالك من الرجوع على غيره من الأشخاص الذين كان لهم دور في حدوث التهدم كالمقاول وغيره من المعماريين الذين شيدوا البناء بطريقة معيبة، لكن هذا الرجوع يتم وفقا لقواعد المسؤولية العقدية التي تستوجب ضمان العيب الذي كان سببا في حدوث الانهيار.

المطلب الثاني: التدابير الوقائية اللازمة لدرء خطر التهدم : لم يقتصر المشرع المغربي على بيان الحكم المترتب عن العقار المنهار فحسب، بل نراه يعرض لبعض التدابير الوقائية التي تحول دون سقوط البناء المهدد بالانهيار، وهذا ما ورد النص عليه في ف 90 ق.ل.ع الذي جاء فيه بأنه يحق لمالك العقار الذي يخشى لأسباب معتبرة انهيار بناء مجاور أو تهدمه الجزئي أن يطلب من مالك هذا البناء أو ممن يكون مسؤولا عنه وفقا لأحكام ف 89 ق.ل.ع اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الانهيار.

وفي الوقت الذي خول فيه المشرع المغربي حق اتخاذ هذه التدابير الوقائية للمالك الذي يخاف انهيار عقار جاره فإن باقي التشريعات العربية الأخرى التي تأثرت بمضمون هذه الإجراءات تراها قد خولت هذا الحق لكل من كان مهددا بخطر الانهيار، وللقاضي في إطار سلطته التقديرية أن يحدد من له الحق في  الاستفادة من هذه التدابير الوقائية.

أما عن طبيعة هذه التدابير الوقائية التي يتعين على مالك العقار المهدد بالانهيار القيام بها فإنها تختلف باختلاف نوعية الخطر الذي يهدد البناء، فقد تكون أعمال الترميم كافية لإصلاح العيب الذي اشتكى منه المضرور، ومن الحالات ما يستلزم هدم البناء وإعادة تشييده من جديد. وفي كل الأحوال فإنه يتعين على المالك أن يبادر إلى تنفيذ هذه الإجراءات الوقائية قبل وقوع الضرر، وفي حالة ما إذا تماطل أو امتنع عن ذلك فإن الواجب يفرض على المضرور في مثل هذه الأحوال أن يراجع القضاء المستعجل لاستصدار أمر أو إذن من المحكمة يخول له اتخاذ هذه التدابير على حساب مالك العقار.

المبحث الثالث: المسؤولية التقصيرية عن حراسة الأشياء

المطلب الأول: شروط تحقق مسؤولية حارس الشيء :

ينص ف 88 ق.ل.ع على ما يلي: " كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت:

v             أنه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر.

v             وأن الضرر يرجع إما لحادث فجائي أو لقوة قاهرة أو لخطأ المتضرر.

إذن يلزم لسريان حكم هذا الفصل توافر العناصر الثلاثة الآتية:

v             أن يتعلق الأمر بوجود شيء بالمعنى المنصوص عليه في ف 88.

v             أن يتسبب هذا الشيء في إلحاق ضرر بالغير.

v             أن يكون لهذا الشيء حارس قانوني يسأل عنه مدنيا.

1- تحديد الأشياء الخاضعة لحكم ف 88 : كقاعدة عامة يمكن إخضاع كل الأشياء المادية غير الحية لحكم ف 88 إلا ما استثناه المشرع ببنود قانونية خاصة أو غير منصوص عليها ولكن كانت مما تقتضيه المبادئ القانونية العامة. ويعد من قبيل النوع الأول كل من مسؤولية مالك البناء عن الأضرار التي يتسبب فيها التهدم، وكذا نظام المسؤولية الجوية عن نقل البضائع والأشخاص. أما عن النوع الثاني فإن الفقه والقضاء المعاصران غالبا ما يستبعدان تطبيق المسؤولية الشيئية بخصوص الأضرار التي يتسبب فيها جسم الإنسان، على اعتبار أن جسم الإنسان يشكل جزءا من شخصيته لذلك لا يمكن تشبيهه بالشيء المادي، وعلى المضرور أن يقدم الدليل الثابت على وقوع الأخطاء البشرية وفقا لمضمون ف 77 و78 غير أن الضرر قد يحدث بفعل بعض الأشياء أثناء فترة احتكاكها بجسم الإنسان كمن يدفع عربة بجسمه فيتسبب في إلحاق الضرر بالغير، ففي هذه الحالة لا مناص من تطبيق مقتضيات ف 88 وعلى اعتبار الأشياء المهملة أصبحت بدون مالك فإنه لا يمكن المطالبة بتعويض الأضرار الناشئة عنها لانعدام المصلحة في رفع هذه الدعوى.

2-أن يتسبب الشيء في إلحاق الضرر بالغير:

             أ-مفهوم فعل الشيء:

لكي يسأل حارس الشيء في إطار مقتضيات ف 88 فإنه يتعين أن يكون هذا الشيء قد تدخل بفعله في إحداث الضرر للغير، ويلزم في هذا التدخل أن يتم بمقتضى فعل إيجابي يكون له الدور المباشر في حصول النتيجة الضارة. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للأشياء الجامدة التي تساهم في إحداث الضرر وهي في وضعية سلبية، إذ القاعدة العامة التي تحكم هذا الموضوع هي أن الشيء إذا كان في وضعية ساكنة كالسيارة الجاثمة جنب الرصيف مثلا فإنه لا مجال لمساءلة صاحبها عن الأضرار التي تلحق الغير نتيجة للاصطدام بها لأن الفعل المنسوب للسيارة في هذه الحالة هو فعل سلبي، وعلى العكس من ذلك فإنه إذا كانت السيارة موقوفة في مكان ممنوع فإن الحارس يكون مسؤولا عن الضرر الذي تتسبب فيه هذه الأشياء لوجود الارتباط السببي بين الضرر والفعل السلبي للشيء.

             ب- فعل الشيء وفعل الإنسان: ليس هناك في ف 88 ما يقطع بضرورة صدور الفعل الضار عن الشيء بمعزل عن تدخل الحارس، فالنص قابل للتطبيق سواء حصل الضرر بتدخل من الحارس أو كان نتيجة للفعل المستقل للشيء.

             ج- مدى قابلية تطبيق ف 88 على الأضرار الناشئة عن تصادم الأشياء فيما بينها: قبل التطرق لموقف القضاء المغربي من هذه الإشكالية تجب الإشارة إلى أن هذا الموضوع تنازعته نظريتان فقهيتان:

أولهما ترى أن الأضرار الناجمة عن حوادث التصادم بين أكثر من شيء لا تخضع لقواعد المسؤولية الشيئية خصوصا في الحالات التي يكون فيها الضرر متبادلا بين الحارسين، بل يتعين الرجوع إلى المسؤولية الشخصية لكل حارس على حدة، وذلك للتعارض الحاصل بين القرائن التي تستند عليها مسؤولية كل حارس على حدة الشيء الذي يؤدي في النهاية إلى تهاتر هذه القرائن وهو الأمر الذي يفرض بدوره ضرورة العودة إلى القواعد العامة التي تستلزم من المضرور إثبات خطأ الخصم بكل الوسائل.

وفي مقابل هذا الاتجاه  الفقهي هناك رأي آخر لا يرى مانعا من تطبيق أحكام المسؤولية الشيئية على هذا النوع من التصادم إذ ليس هناك أي مبرر معقول للتخلي عن تطبيق هذه القواعد، وأن مساهمة أكثر من شيء واحد في فصول الضرر لا يتعارض مطلقا مع مقتضيات وأهداف المسؤولية الشيئية.

وباعتبار أنه ليس هناك في ق.ل.ع ما يشير إلى استبعاد هذه الحالة من نطاق ف 88 المتعلق بمسؤولية حارس الأشياء فإنه بات أمرا طبيعيا الاحتكام لمقتضيات الفصل السابق عندما يتعلق الأمر بالأضرار التي خلفتها حالات التصادم بين أكثر من شيء واحد وهو موقف القضاء المغربي. لكن رغم ذلك يجب الإدلاء ببعض الملاحظات:

v      في الحالة التي يتسبب فيها الاصطدام الحاصل بين شيئين في إلحاق الضرر بشخص من الغير يحق للمضرور أن يرجع على أي من الحارسين شاء وفقا للفصل 88 وله أن يقاضيهما دفعة واحدة لأنهما يسألان تجاهه بالتضامن، أما بخصوص العلاقة التي تحكم الحارسين فيما بينهما لتحديد نسبة الخطأ فإن تخضع للقواعد العامة في المسؤولية الخطئية الواجبة الإثبات.

v      في الحالة التي يتسبب فيها الاصطدام بين شيئين في إصابة أحد الحارسين دون الآخر، يكون من حق الطرف المضرور الرجوع على الحارس الآخر وفقا لأحكام ف 88 باعتبار أن قواعد هذا الفصل تهدف أساسا لحماية المضرور حتى ولو كان حارسا للشيء الآخر الذي كان له دور إيجابي أو سلبي في حصول الاصطدام.

v      حصل خلاف بخصوص الحالة التي يكون فيها الضرر الناشىء عن تصادم الأشياء متبادلا، حيث أن القضاء لازال لم يستقر على موقف ثابت بخصوصها. فإذا كان المنطق يفرض على كل حارس أن يعوض الحارس الآخر عن كل الأضرار التي لحقت به، فإن هذا الحل فيه نوع من التعارض مع فكرة العلاقة السببية كركن في المسؤولية التقصيرية التي تفرض تحديد نسبة الخطأ الذي ساهم به في وقوع الحادث. وإذا كان هذا الحل لا يثير مشاكل قانونية عندما تكون الاصطدامات بين الأشياء غير مشمولة بالتأمين الإجباري لمخاطرها، إذ أن التعويض الذي يحصل عليه كل حارس يتحدد بإجراء عملية مقاصة بين مستحقات كل حارس فإن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للتصادمات التي تحصل بين الأشياء المشمولة بالتأمين الإلزامي كحوادث السيارات مثلا، حيث أن كل حارس يرفع دعوى مستقلة ضد شركة التأمين التي تعهدت بتحمل مخاطر الاصطدام وبذلك فإن كل حارس سيحصل على التعويض الكامل متفاديا بذلك مساوئ نقصان التعويض باعتماد وسيلة المقاصة.

3-الحارس المسؤول عن فعل الشيء: لقد اهتم الفقهاء كثيرا بفكرة الحراسة أثناء كل مهم على عناصر المسؤولية الشيئية حتى ليخيل للمرء بأن المسؤولية الشيئية تكمن في فكرة الحراسة ذاتها، ويرجع السبب في ذلك إلى كثرة المشاكل القانونية التي يثيرها موضوع حراسة الأشياء على الصعيدين النظري والتطبيقي على حد سواء. فإذا كان الحارس في الأحوال العادية غالبا ما يكون هو مالك الشيء الذي تسبب في حصول الضرر، فإن هذه الحراسة قد تنتقل إلى الغير محض اختيار المالك أو بإجباره على التخلي عنن هذه الحراسة الأمر الذي يفرض تحديد الشخص المسؤول مدنيا عن الحوادث التي يتسبب الشيء فيها في مثل هذه الأحوال.

للإجابة عن هذه الأسئلة يجب التطرق لنظريتي الحراسة القانونية والحراسة المادية اللتين حاولتا الإجابة عن ذلك.

             أ-نظرية الحراسة القانونية:

بمقتضى  هذه النظرية فإن المسؤولية عن فعل الشيء يتحملها من له حق عيني على الشيء أو حق شخصي ترتب عنه، وهذا ما ينطبق على كل من المالك للشيء والمنتفع به على وجه قانوني مشروع. وتخول هذه الحراسة لصاحبها إمكانية التصرف في الشيء أو استعماله في حدود ما يسمح به القانون أو الاتفاق.

وإذا كان يمكن نقل هذه الحراسة القانونية من المالك إلى الغير بناء على اتفاقات صريحة أو ضمنية فإنه في مقابل ذلك تبقى هذه الحراسة من اختصاص المالك عندما يفقد هذه الحراسة أو تنتزع منه قهرا. واحتفاظه بحراسة الشيء في مثل هذه الأحوال كان يحمله نتائج أفعال لم يساهم في إحداثها، وقد فتح هذا الوضع باب الانتقادات على مصراعيه خصوصا من طرف القضاء الذي كان يواجه الكثير من الصعوبات وهو بصدد التوفيق بين عناصر هذه النظرية التي تحمل معنى التناقض في كثير من الأحيان وهذه الوضعية الشائكة هي التي دفعت بالقضاء الفرنسي إلى البحث عن نظرية بديلة وذلك باكتشافه لنظرية الحراسة المادية.

             ب- نظرية الحراسة المادية:

لا يمكن الحديث عن نظرية الحراسة المادية دون التطرق لسبب ظهورها، إذ يرجع الفضل في ذلك إلى مجموع الغرف المكونة لمحكمة النقض الفرنسية التي أبدت رأيها في قضية مشهورة تعرف بقضية " فرانك" التي تتلخص وقائعها في أن طبيبا يدعى " فرانك" أعطى سيارته لابنه "كلود" لقضاء سهرة رأس السنة الميلادية بأحد مراقص مدينة نانسي، ولما هم الابن بالرجوع في وقت متأخر من الليل لم يجد أثرا للسيارة، ونتيجة للبحث المكثف تم العثور عليها مهجورة في مكان آخر وبجانبها جثة ساعي البريد "كانو" وتبين فيما بعد أن لصا قد استولى على السيارة وارتكب بها الحادثة. فطالبت أرملة الضحية مالك السيارة " فرانك" على أساس الحراسة القانونية، وقد رفضت كل من محكمة الدرجة الأولى ومحكمة الاستئناف طلب الأرملة استنادا إلى أن الدكتور فرانك لم يكن حارسا عند وقوع الكارثة، وعندما تم الطعن في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف أصدرت محكمة النقض أول قرار في النازلة اعتبرت فيه مالك السيارة  بمثابة المسؤول الفعلي عن وقوع الحادث ما لم يثبت أن الضرر قد نشأ بفعل أجنبي كالقوة القاهرة أو الحدث الفجائي  وهو ما لم يثبته الدكتور فرانك آنذاك وأحيلت القضية من جديد على محكمة " بيزانسون" الاستئنافية وذهبت إلى تأييد الحكم الذي سبق لمحكمة نانسي الاستئنافية أن أصدرته معارضة في ذلك رأي محكمة النقض الذي كان يدعو إلى الأخذ بفكرة الحراسة القانونية.

وبعد الطعن من جديد في مضمون هذا القرار ارتأت محكمة النقض الفرنسية أن تصدر قرارها الحاسم في هذا النزاع فكان لها ذلك بتاريخ: 2 دجنبر 1941 حيث تراجعت محكمة النقض عن موقفها السابق بإجماع كل الغرف المكونة لهذه المحكمة مقررة في ذلك بأن المسؤولية لا يتحملها فرانك الذي لم يكن حارسا للسيارة أثناء وقوع الحادث إذ كان يستحيل عليه مراقبة سيارته وتوجيهها الأمر الذي يعفيه من تحمل المسؤولية عن الحادث.

ومنذ هذا التاريخ ظهرت معالم جديدة تميز النظرية المادية في الحراسة وتتمثل أساسا في العناصر الثلاثة الآتية:

استعمال الشيء وتوجيهه ومراقبته L'usage et direction et contrôle de la chose .

وبذلك أصبحت الحراسة قابلة للانتقال إلى الغير حتى ولو كان هذا الانتقال بطريق غير مشروع كالسارق. ولقد تأثر القضاء المغربي في الكثير من الاجتهادات بهذه النظرية، ومن ذلك القرار الصادر بتاريخ: 5 ماي 1964 والذي جاء فيه بأن مالك الشاحنة الذي تسبب في إلحاق ضرر بالغير يعد المسؤول الفعلي عن هذا الضرر لاحتفاظه بسلطات الاستعمال والمراقبة والتوجيه التي تعد بمثابة العناصر المميزة لنظرة الحراسة.

             ج- بعض الحالات التي أثارت الجدل على مستوى الحراسة:

وتتعلق بانتقال الحراسة من صاحبها الأصلي إلى الغير.

1- حالات انتقال الحراسة للغير اختياريا: عندما يتم انتقال الحراسة من صاحبها الأصلي إلى الغير بطرق مشروعة فإن الأمر لا يثير مشاكل قانونية على اعتبار أن الحارس الجديد هو الذي يتحمل المسؤولية عن فعل الشيء إذا أثبت أن عناصر الحراسة قد انتقلت إليه أيضا بحيث أصبح له الحق في استعمال الشيء ومراقبته وتوجيهه.

لكن هناك حالات أثارت العديد من التساؤلات الفقهية والقضائية مثل حالة انتقال الحراسة للتابع أو الابن القاصر إذ قد يتسببان في إلحاق الضرر بالغير نتيجة لخروجهما عن الحدود المسموح بها قانونا.

فالتابع قد يرتكب الفعل الضار في غير أوقات العمل الرسمية أو في أماكن غير مرخص له في الذهاب إليها الشيء الذي يستلزم تحميل هذا التابع لنتائج أفعاله الضارة.

وما قيل عن التابع يقال أيضا عن الابن القاصر الذي يستعمل سيارة أبيه ويتسبب في ارتكاب حادثة سير الأمر الذي يطرح مشاكل قانونية حادة على مستوى كل من المسؤولية والتأمين. فالابن الذي يستعمل أشياء ترجع ملكيتها لأبويه سواء كان هذا الاستعمال مرخصا له بكيفية صريحة أو ضمنية لا يجعل منه حارسا لهذه الأشياء إذ تبقى الحراسة من حق الأبوين. وفي مثل هذه الأحوال يمكن مساءلة الأبوين على أساس ف 85 و88 ق.ل.ع. ويمكن للضحية أن يختار أيا من الأساسين شاء، وإذا كانت هذه الأشياء التي استعملها القاصر مشمولة بالتأمين الإلزامي فإن شركات التأمين هي التي تحل محل المؤمن له في الأداء كما تؤكد ذلك النصوص القانونية المنظمة للتأمين.

2-حالات انتقال الحراسة للغير اضطراريا: عندما يفقد المالك سيطرته على الشيء نتيجة لفعل السرقة أو الغصب فإن الحراسة الفعلية للشيء تنتقل إلى كل من السارق والغاصب للشيء. وتبعا لذلك فإن المسؤولية عن الحوادث التي يتم ارتكابها بفعل الأشياء المسروقة أو المغصوبة تقع على عاتق كل من السارق والغاصب لهذه الأشياء.

إلا أنه نظرا لأن مصلحة المضرور غالبا ما تكون مهددة بالضياع عندما يكون السارق مجهول الهوية أو معسرا. لذلك فإن المحاكم غالبا ما تلجأ لتطبيق بنود التأمين الإلزامي الذي يغطي مثل هذه المخاطر كما هو الشأن بالنسبة للتأمين الإجباري ضد حوادث السير، إذ أن ف 12 من القرار المتعلق بالشروط النموذجية العامة لعقدة التأمين على السيارات الصادر سنة 1965 نجده قد استثنى حالات السرقة والعنف واستعمال السيارة بدون علم صاحبها من مبدأ عدم التأمين المنصوص عليه في الفصل السابق، إذ أن مثل هذه الحالات تندرج ضمن الخدمات العامة التي يقدمها صندوق مال الضمان عندما يكون الشخص المسؤول مجهولا أو عاجزا عن الأداء للإعسار وهذا ما ينطبق عادة على كل من السارق والغاصب للشيء.

وقد تعددت التفسيرات التي قيل بها لتبرير الإعفاء الذي يتمتع به الأشخاص المنصوص عليهم في ف 12 أعلاه، إلا أنها تصب في اتجاه واحد ألا وهو الرغبة في حماية حقوق المضرور، ذلك أن القضاء ونظرا لكثرة الحوادث الراجعة للسيارات خصوصا من طرف الشباب المنحرف أصبح يميل إلى البحث عن وسيلة يربط بها مسؤولية المؤمن له ومن تم حلول شركة التأمين محله ويتجنب بذلك الآثار السيئة على المضرورين. حيث إن شركات التأمين تتحمل تبعات هذه المسؤولية باعتبارها طرفا ضامنا للمؤمن له.

ولم يخرج القضاء عن هذا المسار إلا في حالات نادرة جدا عندما يثبت التفريط في سلوك مالك السيارة كأن يتركها في مكان غير مأمون ومفتوحة الأبواب حيث يكون بذلك قد سهل مهمة السارق.

المطلب الثاني: أساس مسؤولية حارس الشيء ووسائل دفعها:

1-أساس مسؤولية حارس الشيء: بالإضافة لنظرية الخطأ التقليدية ظهرت في الأفق القانوني نظريتان أخريان ويتعلق الأمر بنظرية تحمل تبعة المخاطر ونظرية الضمان.

             أ-نظرية الخطأ:

إثر التطور الصناعي الهائل وما نتج عنه لم تعد نظرية الخطأ التقليدية ملائمة كأساس للمسؤوليات الموضوعية وهو الأمر الذي تطلب من أنصارها إدخال بعض التعديلات الجوهرية عليها. فتم لهم ذلك عندما اكتفوا بافتراض هذا الخطأ في جانب الحارس. وبالرغم من أن ظاهر  هذا الافتراض في الخطأ يوحي بتخفيف عبء الإثبات على المضرور الذي لم يعد ملزما بإثبات خطأ الحارس، لكن يبقى بإمكان هذا الأخير أن يتحلل من هذه المسؤولية إن هو قدم الدليل على قيامه بالحراسة اللازمة. وإزاء هذا الوضع الذي يسيىء للمضرور فإن معظم التشريعات التي اعتنقت هذه النظرية نراها قد اعتبرت قرينة افتراض الخطأ من القرائن القاطعة التي لا يجوز إقامة الدليل على خلافها.

ونظرا لكثرة الانتقادات التي وجهت لفكرة الخطأ المفترض لعدم قدرتها على تبرير بعض الأوضاع التي ينشأ عنها الضرر خصوصا في الأحوال التي يكون فيها سبب الضرر مجهولا أو عندما يكون الضرر ناشئا عن عيب خفي في الشيء لا علاقة له بخطأ الحارس. فإن أنصار هذه النظرية حاولوا تصحيح مسار هذه النظرية وذلك بتعديل بعض جوانبها فأسفر هذا التعديل عن ظهور : نظرية الخطأ في الحراسة".

وقد قال بهذه الفكرة كل من الفقيهين " مازو" و"بيسون" ويتمثل مضمون هذه النظرية في أن الحارس يتحمل واجب حراسة الشيء ومراقبته بالشكل الذي يمنع إلحاق الأذى بالغير، ويعد هذا الواجب من قبيل الالتزامات بغاية المتعارف عليها في الميدان العقدي، وأي إخلال بهذا الواجب يحمل صاحبه نتائجه. فخطأ الحارس وفقا لهذا المنظور الجديد يتحقق بمجرد حصول الضرر.

وقد تعرضت هذه النظرية بدورها للنقد بسبب الذي وقع فيه أنصارها وهو ما دفع بالفقيه "دالان" إلى القول بأن نظرية الخطأ في الحراسة ما هي إلا حيلة لجأ إليها أنصار فكرة الخطأ لتأكيد أهمية الخطأ كمبرر معقول لمسؤولية حارس الشيء. لذلك لم يكتب النجاح لهذه النظرية.

             ب- نظرية تحمل تبعة المخاطر:

الخطأ وفقا لهذه النظرية ليس شرطا لازما لتحقق هذه المسؤولية في ميدان حراسة الأشياء، إذ العبرة لدى أنصار هذه النظرية بنوعية النشاط الاقتصادي الذي يمارسه الحارس وبمدى المنفعة التي يحصل عليها من خلال هذه الأنشطة الاقتصادية. فقد اعتبر هؤلاء الأنصار أن الشخص الذي يستفيد من شيء معين يتوجب عليه تحمل تبعات المخاطر التي يتسبب فيها إذ الغنم بالغرم.

ونظرا لأن نطاق هذه النظرية ضيق جدا لأنه ينحصر في الأشياء الخطرة بطبيعتها، أما بالنسبة للأشياء التي لا تنطوي على هذه الخطورة فإن النظرية تعجز عن إيجاد المبرر القانوني لها. وهو الأمر الذي يضعف من أهمية هذه النظرية.

             ج- نظرية الضمان:

يرى أنصارها بأن أساس المسؤولية عن حراسة الأشياء يكمن في نظرية الضمان التي تهدف إلى حماية المصاب سواء في ماله أو جسده وذلك بقطع النظر عن نوعية الخطأ الذي صدر عن مرتكب الفعل الضار. فالحارس يتحمل تبعات هذا الفعل بقوة القانون، وهذا يعني أن مسؤوليته تقرر ولو لم يرتكب أي خطأ قانوني يذكر.

**نوعية الأساس الذي قصده المشرع المغربي في ف 88 من ق.ل.ع:

هناك اتجاه فقهي يرى بأن مسؤولية حارس الشيء أساسها الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس، بينما يرى البعض الآخر بأن أساس المسؤولية إنما يكمن في فكرة تحمل تبعة المخاطر. هذا في الوقت الذي نجد أن هناك من حاول تأسيس هذه المسؤولية على فكرة الخطأ التقليدية التي تستلزم إثبات خطأ الحارس، لكن هذا الأخير رأي ضعيف لم يلق مساندة تذكر.

أما عن موقف القضاء المغربي فالظاهر أنه لم يعتمد نظرية معينة، إذ هناك بعض الاجتهادات التي اعتمد فيها فكرة افتراض الخطأ في جانب الحارس وهي كثيرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من استعمال مصطلح المسؤولية المفروضة على الحارس في حالات أخرى وهي من العلامات التي تؤكد ميله إلى تأسيس هذه المسؤولية على فكرة التحمل بالمخاطر.

إلا أن الذي يتعين الانتباه إليه هو أنه سواء كانت هذه المسؤولية مبنية على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس أو كانت مقررة بقوة القانون فإن النتائج المترتبة عن الوضعين السابقين ستكون واحدة طالما أن الحارس لا يحق له نفي هذه المسؤولية إلا بإثباته للسبب الأجنبي لا غير.

2-وسائل دفع مسؤولية حارس الشيء:

في الوقت الذي اكتفت فيه معظم التشريعات المعاصرة بذكر السبب الأجنبي كمبرر معقول لانتفاء هذه المسؤولية نتيجة لانتفاء العلاقة السببية بين فعل الشيء، وما ترتب عنه من نتائج ضارة، فإننا نلاحظ أن المشرع المغربي قد تشدد كثيرا مع الحارس إذ أنه لا يحق له التحلل من المسؤولية المنصوص عليها في ف 88 إلا بإثباته للأمرين التاليين:

v             أنه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر.

v             أن الضرر يرجع إما لحادث فجائي أو لقوة قاهرة أو لخطأ المضرور.

أ- إثبات الحارس للسبب الأجنبي:

يقصد بالسبب الأجنبي ذلك الثلاثي المتمثل في كل من القوة القاهرة والحدث الفجائي وخطأ المضرور، إلا أننا لاحظنا أن القضاء اعتاد على إلحاق خطأ الغير بالأسباب السابقة بالرغم من أن معظم التشريعات المدنية قد أغفلت ذكره كسبب مبرر للإعفاء من المسؤولية إلى جانب الأسباب التقليدية الأخرى.

1- القوة القاهرة والحدث الفجائي كسبب للتخفيف من حدة القرينة المنصوص عليها في ف  88:

الاتجاه القار في كل من الفقه والقضاء يذهبان إلى التسوية بين القوة القاهرة والحدث الفجائي من حيث الآثار القانونية المترتبة عنهما بالرغم من التباين الموجود بينهما من حيث الاصطلاح اللغوي، فمتى ثبت أن الفعل الذي يدعيه الحارس كان مما يستحيل دفعه وأنه كان غير متوقع الحصول أثناء وقوع الحادث إلا ويعد سببا لإعفاء الحارس كليا أو جزئيا مع مراعاة باقي العناصر الأخرى خصوصا ما يتعلق منها بنفي الخطأ المنسوب إليه.

ولقد تشدد القضاء المغربي كثيرا تجاه بعض الأفعال التي لم يعتبرها من قبيل القوة القاهرة، فذهب إلى عدم اعتبار الزوبعة التي تسببت في سقوط سلك كهربائي على الأرض الأمر الذي أدى إلى وفاة طفلة من قبيل القوة القاهرة. كما لم يعتبر الحوادث الناجمة عن عيوب السيارات من قبيل القوة القاهرة عامة عدا في بعض الحالات الاستثنائية كالحالة التي يتسبب فيها انسداد مقود سيارة جديدة في وقوع الحادث.

وفي مقابل ذلك اعتبر المجلس الأعلى في بعض القرارات بأن حالة التجاوز الخاطئ الذي يحمل عنصر المباغتة للحارس الذي يسير في الاتجاه المعاكس تعد من قبيل القوة القاهرة التي يترتب عليها الإعفاء الكلي من المسؤولية.

2- خطأ المضرور كسبب لإعفاء الحارس من المسؤولية:

يمكن القول بصورة عامة أن خطأ المضرور يكون قد يكون سببا للإعفاء الكلي من المسؤولية عندما تتوافر فيه شروط القوة القاهرة بأن يكون غير متوقع ومستحيل الدفع. كما أنه قد يكون سببا للإعفاء الجزئي من هذه المسؤولية عندما يكون مجرد سبب من الأسباب التي ساهمت في إحداث الضرر.

إلا أنه بالرجوع إلى الصيغة التي وضع بها المشرع المغربي م 88 فإننا نلاحظ أن إعفاء الحارس كليا من تحمل المسؤولية نتيجة لخطأ المضرور لا يتقرر في الواقع إلا في نادر الأحوال عندما يكون هذا الخطأ بمثابة السبب الوحيد المولد للضرر وأن يكون متوفرا على عناصر القوة القاهرة وأن يكون الحارس قد فعل كل ما كان ضروريا لمنع وقوع الضرر. ونظرا للصعوبات التي تعترض الحارس بخصوص هذا الإثبات فإن أقصى ما يحققه في معظم الحالات هو الإعفاء الجزئي من تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه.

أما عن موقف القضاء المغربي من الدفع السابق فإننا نلاحظ أنه يختلف من مرحلة لأخرى، فبالنسبة للأحكام الصادرة عن هذا القضاء قبل تأسيس المجلس الأعلى فإنها كانت لا تتردد في قبول طلبات الإعفاء الكلي خصوصا في الأحوال التي يكون فيها خطأ المضرور هو السبب الوحيد الذي نشأ عنه الضرر. إلا أن الأمر قد تغير بعد إنشاء المجلس الأعلى سنة 1957 إذ أن قضاة المجلس أصبحوا يتشددون كثيرا في قبول طلبات الإعفاء الكلي بالاستناد إلى خطأ المضرور حتى ولو كان هذا الخطأ على جانب كبير من الخطورة.

3-خطأ الغير كمبرر لدفع مسؤولية الحارس:

إن ما يسري على خطأ المضرور هو الذي يسري أيضا على الخطأ الذي يتسبب فيه الغير والمقصود بالغير هنا هو ما عدا المضرور والحارس وخلفائهما وأتباعهما.

غير أن الذي يتعين الانتباه إليه هو أن خطأ الغير حتى ولو اشتمل على عناصر القوة القاهرة أو الحدث الفجائي فإنه لا يعد لوحده سببا كافيا لإقرار الإعفاء الكلي أو الجزئي من المسؤولية إذ يتعين على الحارس كما هو منصوص عليه في ف 88 أن يثبت بأنه فعل ما كان ضروريا لمنع وقوع الضرر.

وقد صادفنا بعض الحالات الغريبة التي ذهب فيها المجلس الأعلى إلى تحميل المسؤولية للحارس بالرغم من أن الضرر كان نتيجة مباشرة للخطأ الصادر من الغير.

ب-إثبات الحارس بأنه فعل ما كان ضروريا لمنع وقوع الضرر:

بعد أن كانت الاجتهادات القضائية تكتفي بترديد بعض الجمل العامة التي تبرر بها الحكم القاضي بإعفاء الحارس من المسؤولية دون أن تبين نوع هذا الإثبات الملقى على عاتق الحارس. كقولها بأن هذا الأخير " اتخذ الاحتياطيات اللازمة لوقوع الضرر" أو أنه " أثبت قيامه بعملية إنقاذ" فإن الاتجاه الحالي في ميدان القضاء أصبح يحاول جهد الإمكان توضيح قصد المشرع " بفعل ما كان ضروريا لمنع وقوع الضرر".

وقد ذهب المجلس الأعلى في الكثير من القرارات الصادرة عنه منذ السبعينات إلى تفسير هذا الواجب بأنه " القيام بعمل إيجابي واتخاذ