22 août 2006

المسؤولية التقصيرية

المسؤولية التقصيرية

يقصد بالمسؤولية عند إطلاق هذا المصطلح تحمل الشخص لنتائج  و عواقب التقصير الصادر عنه أو عمن يتولى رقابته و الإشراف عليه ، أما في القانون المدني ، فتعني المؤاخذة عن الأخطاء التي تضر بالغير و ذلك بإلزام المخطئ بأداء التعويض للطرف المتضرر وفقا للطريقة و الحجم الذين يحددهما القانون ، و قد استعمل هذا  المصطلح لأول مرة في بداية القرن 18 ، أما قبل ذلك فكان هناك مصطلح العمل غير المشروع و الضمان .

الفصل الأول : المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي :

يجب توافر 3 عناصر لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي  ، و هي : 1- الخطأ 2- الضرر 3- العلاقة السببية بينهما.

المبحث الأول : الخطـــــــأ

المطلب الأول : تعريف الخطأ و العناصر المكونة له :

عرف الفصل 78 من ق ل ع المغربي الخطأ بأنه "بأنه ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه ، و ذلك من غير قصد لإحداث الضرر " ، و الخطأ يتشكل من عنصر مادي و آخر معنوي

.                 1- العنصر المادي : الإقبال على ارتكاب فعل التعدي : أشار المشرع المغربي  إلى الركن المادي للفعل الضار في الفصل 77 و 78 من ق ل ع ، حيث يتبين من خلالهما أن الإخلال بالالتزامات القانونية هو الذي يشكل العنصر المادي للخطأ ، و لا فرق بين أن يكون هذا الأخير مقصودا في ذاته – فعل التعدي - أو غير مقصود بحيث حصل عن طريق التقصير و الإهمال .

       وإذا كانت المسؤولية التقصيرية تنشأ عند خرق الالتزامات القانونية . فإن  القضاء هو الذي يتولى تحديد حالات الإخلال بهذه الأخيرة ، غير أن الصعوبة  تكمن في معرفة المعيار الذي يتعين على القاضي اعتماده  لضبط سلوك الأفراد إزاء هذا النوع من الالتزامات ، ذلك أن الأفراد ليسوا على مستوى واحد من الحيطة و التبصر و اليقظة ، الأمر الذي يفرض على المحكمة الخيار بين تطبيق المعيار الشخصــي الذي يميز سلوكيـات الأفراد و معاملتهم على قدر إمكانياتهم الذاتية  من فطنة أو غباوة ، أو تطبيق المعيار الموضوعي الذي يتعامل مع كافة الأفراد باعتبار إمكانيات الفرد العادي متوسط الخبرة و الذكاء.

                   2- العنصر المعنوي : إمكانية نسبة الفعل الضار للشخص المخطئ : بمعنى أنه يتعين أن يكون هذا الشخص مدركا لنتائج أفعاله ، ، و نظرا إلى أن مسألة الإدراك ترتبط ارتباطا وثيقا بعنصر التمييز وجودا و عدما ، كمالا و نقصا ، فإن جل التشريعات المدنية جعلت من الإدراك و التمييز مناطا للمسؤولية المدنية ، و هو ما أكد عليه الفصل 96 من ق ل ع المغربي .

أ‌-   حالات انعدام التمييز في إطار ق ل ع المغربي :  من خلال ف 96 من ق ل ع ، يتبين أن المشرع المغربي اعتبر كلا من الصبي غير المميز و المجنون فاقدين للإدراك و العقل ، و بالتالي فإنهما لا يسألان عن نتائج أفعالهما الضارة ، و هو ما يحتم الاحتكام إلى قواعد المسؤولية عن فعل الغير ، كما اعتبر المشرع المغربي ، السكر الاضطـــراري واحدا من الأسباب التي ينعدم فيهــــا العنصر المعنوي للخطـــأ، و بالتالي تنعدم فيها  المسؤولية ، بخلاف السكر الاختياري حيث يعامل السكران بنقيض قصده كما ورد في ف 93 من ق ل ع.   و من جهة أخرى فإذا كان ق ل ع المغربي قد قرر إعفاء ذوي العاهات العقلية و القاصرين و فاقدي التمييز لأسباب اضطرارية ، فإنه لم يقرر إعفاء ذوي العاهات البدنية الأخرى مثل الصم و البكم ، إذا كان لهم من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم .

ب‌- هل يمكن نسبة الخطأ التقصيري للشخص المعنوي : إذا كان الإجماع حاصلا في ميدان الفقه و القضاء و التشريع بخصوص وجوب مساءلة الأشخاص المعنوية عن الأضرار التي يتسبب فيها الطاقم البشري المكون لها، فإن  الخلاف يكمن في تحديد الأساس القانوني  الذي تنبني عليه مسؤولية هذا النوع من الأشخاص الاعتبارية .

و في هذا الإطار ظهرت نظرية تحمل المتبوع لعواقب أخطاء تابعيه ، غير أن هذه النظرية لم تبرر موقفها من              الحالات التي  يرتكب فيها الضرر من طرف المسيرين ، إذا أن هؤلاء  لا يمكن اعتبارهم تابعين للأشخاص المعنوية ، لما لهم من سلطة و استقلال في القيام بمهامهم. و من هنا ظهرت نظرية أخرى تؤسس المسؤولية وفقا لمبدأ الحقيقة الواقعية للشخص المعنوي ،و التي ترتب مساءلة الشخص المعنوي بصورة مباشرة عن كل الأضرار التي يتسبب فيها الأفراد الذين يشكلون الطاقم البشري للشخص المعنوي، بشرط أن يكون الفعل الضار قد تم ارتكابه أثناء مزاولة الوظيفة أو الخدمة المسندة إليهم أو بمناسبتها ، أما إذا كان الخطأ شخصيا فإن الشخص المعنوي لا يكون مسؤولا عنه.

         المطلب الثاني : أنواع الخطأ التقصيري :

1-  الخطأ الإيجابي و الخطأ السلبي : لا تثير الأخطاء الإيجابية أية إشكالات قانونية من حيث التحديد ، لكونها تتجسد في ارتكاب فعل مادي مخالف للقانون ، أما الأخطاء السلبية ، فهي تثير عدة إشكالات ، و تتحد عدة مظاهر قانونية ، فالخطأ السلبي قد يكون بالامتناع عن القيام بالواجب القانوني كما هو الحال بالنسبة للقاضي الذي يمتنع عن إصدار الأحكام في القضايا المعروضة عليه ، لأنه يكون منكرا للعدالة – ف 81 - ، و قد يتمثل في كتمان بعض الوقائع الصحيحة و إخفائها بهدف طمس الحقيقة و تضليل الغير ، و من جهة أخرى ، إدا كان الميدان الجنائي محكوما بقاعدة المشروعية ، بحيث لا يعتبر الفعل السلبي  أو الامتناع جريمة إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك ، فإن الوضع في القانون المدني محكوم بقاعدة من يستطيع و لا يفعل يعد مسؤولا .

2-  الخطأ العمدي و خطأ الإهمال : ينقسم الخطأ من حيث مدى تدخل الإرادة في ارتكابه إلى خطأ عمدي و خطأ غير عمدي ،فالخطأ العمدي هو الذي يعمد فيه الشخص إلى ارتكاب الفعل الضار قاصدا تحقيق النتيجة الضارة ، و لا يقتصر العمد هنا على الأخطاء الإيجابية ، بل يشمل الأخطاء السلبية أيضا متى كان القصد منها  الإضرار بالغير ، أما الخطأ غير العمدي أو خطأ الإهمال ، فهو نوع من الإخلال بالتزامات القانونية سواء كان منصوصا عليها أم لا ، و ذلك من غير قصد الأضرار بالغير ، و سواء كان الخطأ ناتجا عن أخطاء العمد أو الإهمال فإن المتضرر له الحق في طلب التعويض في كلتا الحالتين .

3-  الخطأ الجسيم و الخطأ اليسير : ينقسم الخطأ من حيث مدى خطورته ، إلى خطأ جسيم و خطأ يسير ، فالخطأ الجسيم يحصل عندما يخل الشخص بواجبات قانونية على جانب من الأهمية ، و إذا كانت معالم التفرقة بين خطأ الإهمال  و خطأ العمد لا تثير إشكالات قانونية لانتفاء قصد الأضرار بالغير في النوع الأول،  فإن الأمر خلاف ذلك بالنسبة للعلاقة بين الخطأ الجسيم و الخطأ الذي لا يغتفر ، رغم أن هذا الأخير يبدو في الواقع صورة من صور الخطأ الجسيم ،لأنهما يشتملان على نفس العناصر المادية و الشخصية المكونة لأخطاء الإهمال التي تكون عادة على قدر كبير من الجسامة و الخطورة ، و من هنا عمد المشرع المغربي إلى اعتبار الخطأ الذي لا يغتفر حالة من حالات الخطأ الجسيم و رتب عليه نفس الآثار.

أما الخطأ اليسير فهو يكون أقل خطورة من الخطأ الجسيم ، و إذا كانت القاعدة العامة  في هذا النوع من الأخطاء أنها تستحق  التعويض كغيرها ، فإن هناك استثناءات لا تجعل لهذا الخطأ اليسير أي اعتبار أثناء تقدير التعويض كما هو الحال بالنسبة للمسؤولية التقصيرية للقضاة ، حيث لا يسألون مدنيا إلا إذا كان الخطأ جسيما أو كان هناك نص خاص يقرر المسؤولية عن الخطأ اليسير. كما لا يسأل أرباب المهن الحرة عن هذا الخطأ إلا إذا كان عمديا ، رغم أن الاتجاه في الفقه و القضاء المعاصرين ، يقولان بوجوب مساءلة هؤلاء عن أخطائهم سواء كانت يسيرة أو جسيمة.

المطلب الثالث : علاقة الخطأ بنظرية التعسف في استعمال الحق :

1-  مفهوم التعسف في استعمال الحق :  التعسف لغة هو الغلو و أخذ الشيء على غير طريقته ، و اصطلاحا هو استعمال الحق على نحو يتنافى مع الهدف الاجتماعي الذي أنشئ من أجله ، و يعتبر صورة من صور نظرية الخطأ التقصيري ، و لا فرق في ذلك بين أن يكون فعل التعسف مقصودا في ذاته أم غير مقصود ، غير أن ذلك لا ينفي وجود فوارق جزئية بينهما :

-         الخطأ يستوجب التعويض و لو كان يسيرا ، أما التعسف الموجب للتعويض فيتعين أن يكون فاحشا.

-    الخطأ يرتكز في أصله على ارتكاب فعل غير مشروع ، في حين أن التعسف يرتكز في عمقه على مصلحة مشروعة تجاوز فيها صاحب الحق الحدود المعقولة و ألحق الضرر بالغير.

ورغم ذلك فإن النتيجة المترتبة عنهما واحدة ، و ي ضرورة إصلاح الضرر ، غير أنه و خلافا لحالات المسؤولية التقصيرية العادية ، و التي لا يلجأ فيها القضاء للتعويض العيني إلا على سبيل الاستثناء ، فإن الأضرار الناتجة عن التعسف في استعمال الحق ، غالبا ما يتم إصلاحها عن طريق إزالة أسباب الضرر.

2-  مظاهر التعسف في استعمال الحق : لعل أبرز مظاهر التعسف في استعمال الحق هي مضار الجوار ، و التي أشار المشرع المغربي إلى الحكم المترتب عنها في الفصل 91 من ق ل ع ، كما عدد حالات التعسف في استعمال حقوق الجوار مثل الأصوات المقلقة للراحة و غرس الأشجار دون احترام المسافات اللازمة و تسرب الدخان المكثف لمساكن الجيران.....

3-  موقف ق ل ع من نظرية التعسف في استعمال الحق : خلافا لمعظم التشريعات المدنية الحديثة التي خصصت حيزا مهما لنظرية التعسف في استعمال الحق ، فإن المشرع المغربي اكتفى فقط بعرض بعض الحالات التي يتحقق فيها ذلك ، و هو ما يتبين من خلال قراءة  الفصل 91 – 92 – 94  من ق ل ع م ، و من هنا نلاحظ ما يلي :

-    لم يكن موقف المشرع المغربي واضحا إزاء هذه النظرية ، إذ تناولها بصورة عرضية و هو بصدد الكلام عن الخطأ كعنصر في المسؤولية التقصيرية .

-    تأثر المشرع المغرب بالنزعة الشخصية عند محاولة وضع معيار التمييز في استعمال الحق ، هذه النزعة التي تهدف إلى تقديس الحقوق الفردية و عدم تقييد هذه المسؤولية إلا في أضيق الحدود.

-    لقد كانت هذه النظرة الضيقة لموقف المشرع المغربي من نظرية التعسف فيا استعمال الحق انعكاسا واضحا للموقف الذي سلكه المشرع الفرنسي في هذا الخصوص.

المطلب الرابع : أسباب انتفاء الخطأ التقصيري : قد يجتمع في الخطأ عنصره المادي و المعنوي ، و مع ذلك يعفى المخطئ من تحمل عواقل هذه المسؤولية ، و يتعلق الأمر هنا بأسباب الإباحة أو التبرير التي تجعل الفعل المحظور مباحا، و في هذا لإطار نلاحظ أن أسباب تبرير الخطأ تختلف عن أسباب انعدام المسؤولية المدنية كالقوة القاهرة و الحدث الفجائي و خطأ الضحية و الغير / إذ يؤدي هذا النوع إلى انعدام العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر ، ثم إن حدوثهما لا يرتبط أصلا بإرادة الشخص المسؤول و إنما بأفعال خارجية يترتب على حدوثها انتفاء المسؤولية.

أما أسباب الإباحة التي تنتفي معها المسؤولية ، فيلاحظ أن الفعل الضار يحصل بإرادة من المخطئ  ، و لا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الإرادة مدفوعة إلى ارتكاب الفعل الضار كالدفاع الشرعي أو غير مدفوعة إليه كما هو الحال بالنسبة لمن يقبل المخاطر.

1-  حالة الدفاع الشرعي : عرف المشرع المغربي الدفاع الشرعي في فق 2 من ف 95 ق ل ع ،بأنه الحالة التي يجبر فيها الشخص على العمل لدفع اعتداء حال غير مشروع موجه لنفسه أو ماله أو لنفس الغير أو ماله ، و إذا كان الدفاع الشرعي يؤدي إلى انتفاء الخطأ التقصيري ، فإنه في المقابل ، يؤدي إلى محو الجريمة في الميدان الجنائي، و فق ما هو منصوص عليه في الفصل 124 من ق ج – نص الفصل –

2-  حالة الضرورة : لم يتطرق لها ق ل ع ، فبالرغم من أنه اعتبرها واحدا من الأسباب المبررة التي تمحو الجريمة ، فإنه قيدها بجملة من الشروط الاستثنائية – شروط الضرورة كما هي في ق ج – ، و حالة الضرورة تعني أن يجد الشخص نفسه مضطرا لدفع خطر جسيم عن طريق التضحية بما هو أقل منه أو مساو له ، بشرط أن يكون هذا الخطر حلا وألا يكون المضطر هو الذي تسبب في نشوئه . ومراعاة للوضعية الحرجة و الاستثنائية التي يكون فيها المضطر لارتكاب الخطأ التقصيري ، فإن الرأي الغالب في الفقه و القضاء المعاصرين ، يذهب إلى اعتبارا لضرورة واحدا من الأسباب التي تؤدي إلى انتفاء ركن الخطأ و لو بصورة نسبية.

3-  حالة القبول بالمخاطر : هناك بعض الحالات التي يقبل فيها المضرور نتائج الفعل الضار، كالشخص الذي يقبل المشاركة في مباراة رياضية محفوفة بالمخاطر ، و في هذا الإطار فإن الرأي الغالب في الفقه يميز بين نوعين من المخاطر التي يقبلها المضرور :

-    مخاطر تلحق المضرورالمضرور في ماله : هذا النوع من المخاطر حصل الاجماع بشأنها فقها و قضاء على جواز تحمل المضرور لعواقبها لعدم مساس ذلك بالنظام العام.

-    مخاطر تلحق المضرور في سلامة جسمه و عقله : الأصل في هذا النوع هو عدم الاعتداد بالرضى الصادر عن المضرور بشأنها ، و عليه فإنه لا مجال لانتفاء الخطأ في الحالة التي يحصل فيها الاتفاق مسبقا بين الضحية و غيره على أن يضع هذا الأخير حدا لحياة الأول أو يلحق به ضررا أو تشويها. غير أن هناك استثناءات أجاز فيها المشرع قبول نوع معين من المخاطر خصوصا في الميدان الرياضي و الطبي ،  و هو ما يحتم على القضاة عدم القول بانتفاء المسؤولية المدنية في ظل حالات القبول بالمخاطر إلا في أضيق الحدود خصوصا عندما يكون هذا القبول مرخصا به وفقا لقوانين و أنظمة خاصة.

المسؤولية التقصيرية

يقصد بالمسؤولية عند إطلاق هذا المصطلح تحمل الشخص لنتائج  و عواقب التقصير الصادر عنه أو عمن يتولى رقابته و الإشراف عليه ، أما في القانون المدني ، فتعني المؤاخذة عن الأخطاء التي تضر بالغير و ذلك بإلزام المخطئ بأداء التعويض للطرف المتضرر وفقا للطريقة و الحجم الذين يحددهما القانون ، و قد استعمل هذا  المصطلح لأول مرة في بداية القرن 18 ، أما قبل ذلك فكان هناك مصطلح العمل غير المشروع و الضمان .

الفصل الأول : المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي :

يجب توافر 3 عناصر لقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي  ، و هي : 1- الخطأ 2- الضرر 3- العلاقة السببية بينهما.

المبحث الأول : الخطـــــــأ

المطلب الأول : تعريف الخطأ و العناصر المكونة له :

عرف الفصل 78 من ق ل ع المغربي الخطأ بأنه "بأنه ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه ، و ذلك من غير قصد لإحداث الضرر " ، و الخطأ يتشكل من عنصر مادي و آخر معنوي

.                 1- العنصر المادي : الإقبال على ارتكاب فعل التعدي : أشار المشرع المغربي  إلى الركن المادي للفعل الضار في الفصل 77 و 78 من ق ل ع ، حيث يتبين من خلالهما أن الإخلال بالالتزامات القانونية هو الذي يشكل العنصر المادي للخطأ ، و لا فرق بين أن يكون هذا الأخير مقصودا في ذاته – فعل التعدي - أو غير مقصود بحيث حصل عن طريق التقصير و الإهمال .

       وإذا كانت المسؤولية التقصيرية تنشأ عند خرق الالتزامات القانونية . فإن  القضاء هو الذي يتولى تحديد حالات الإخلال بهذه الأخيرة ، غير أن الصعوبة  تكمن في معرفة المعيار الذي يتعين على القاضي اعتماده  لضبط سلوك الأفراد إزاء هذا النوع من الالتزامات ، ذلك أن الأفراد ليسوا على مستوى واحد من الحيطة و التبصر و اليقظة ، الأمر الذي يفرض على المحكمة الخيار بين تطبيق المعيار الشخصــي الذي يميز سلوكيـات الأفراد و معاملتهم على قدر إمكانياتهم الذاتية  من فطنة أو غباوة ، أو تطبيق المعيار الموضوعي الذي يتعامل مع كافة الأفراد باعتبار إمكانيات الفرد العادي متوسط الخبرة و الذكاء.

                   2- العنصر المعنوي : إمكانية نسبة الفعل الضار للشخص المخطئ : بمعنى أنه يتعين أن يكون هذا الشخص مدركا لنتائج أفعاله ، ، و نظرا إلى أن مسألة الإدراك ترتبط ارتباطا وثيقا بعنصر التمييز وجودا و عدما ، كمالا و نقصا ، فإن جل التشريعات المدنية جعلت من الإدراك و التمييز مناطا للمسؤولية المدنية ، و هو ما أكد عليه الفصل 96 من ق ل ع المغربي .

ت‌- حالات انعدام التمييز في إطار ق ل ع المغربي :  من خلال ف 96 من ق ل ع ، يتبين أن المشرع المغربي اعتبر كلا من الصبي غير المميز و المجنون فاقدين للإدراك و العقل ، و بالتالي فإنهما لا يسألان عن نتائج أفعالهما الضارة ، و هو ما يحتم الاحتكام إلى قواعد المسؤولية عن فعل الغير ، كما اعتبر المشرع المغربي ، السكر الاضطـــراري واحدا من الأسباب التي ينعدم فيهــــا العنصر المعنوي للخطـــأ، و بالتالي تنعدم فيها  المسؤولية ، بخلاف السكر الاختياري حيث يعامل السكران بنقيض قصده كما ورد في ف 93 من ق ل ع.   و من جهة أخرى فإذا كان ق ل ع المغربي قد قرر إعفاء ذوي العاهات العقلية و القاصرين و فاقدي التمييز لأسباب اضطرارية ، فإنه لم يقرر إعفاء ذوي العاهات البدنية الأخرى مثل الصم و البكم ، إذا كان لهم من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم .

ث‌- هل يمكن نسبة الخطأ التقصيري للشخص المعنوي : إذا كان الإجماع حاصلا في ميدان الفقه و القضاء و التشريع بخصوص وجوب مساءلة الأشخاص المعنوية عن الأضرار التي يتسبب فيها الطاقم البشري المكون لها، فإن  الخلاف يكمن في تحديد الأساس القانوني  الذي تنبني عليه مسؤولية هذا النوع من الأشخاص الاعتبارية .

و في هذا الإطار ظهرت نظرية تحمل المتبوع لعواقب أخطاء تابعيه ، غير أن هذه النظرية لم تبرر موقفها من              الحالات التي  يرتكب فيها الضرر من طرف المسيرين ، إذا أن هؤلاء  لا يمكن اعتبارهم تابعين للأشخاص المعنوية ، لما لهم من سلطة و استقلال في القيام بمهامهم. و من هنا ظهرت نظرية أخرى تؤسس المسؤولية وفقا لمبدأ الحقيقة الواقعية للشخص المعنوي ،و التي ترتب مساءلة الشخص المعنوي بصورة مباشرة عن كل الأضرار التي يتسبب فيها الأفراد الذين يشكلون الطاقم البشري للشخص المعنوي، بشرط أن يكون الفعل الضار قد تم ارتكابه أثناء مزاولة الوظيفة أو الخدمة المسندة إليهم أو بمناسبتها ، أما إذا كان الخطأ شخصيا فإن الشخص المعنوي لا يكون مسؤولا عنه.

         المطلب الثاني : أنواع الخطأ التقصيري :

4-  الخطأ الإيجابي و الخطأ السلبي : لا تثير الأخطاء الإيجابية أية إشكالات قانونية من حيث التحديد ، لكونها تتجسد في ارتكاب فعل مادي مخالف للقانون ، أما الأخطاء السلبية ، فهي تثير عدة إشكالات ، و تتحد عدة مظاهر قانونية ، فالخطأ السلبي قد يكون بالامتناع عن القيام بالواجب القانوني كما هو الحال بالنسبة للقاضي الذي يمتنع عن إصدار الأحكام في القضايا المعروضة عليه ، لأنه يكون منكرا للعدالة – ف 81 - ، و قد يتمثل في كتمان بعض الوقائع الصحيحة و إخفائها بهدف طمس الحقيقة و تضليل الغير ، و من جهة أخرى ، إدا كان الميدان الجنائي محكوما بقاعدة المشروعية ، بحيث لا يعتبر الفعل السلبي  أو الامتناع جريمة إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك ، فإن الوضع في القانون المدني محكوم بقاعدة من يستطيع و لا يفعل يعد مسؤولا .

5-  الخطأ العمدي و خطأ الإهمال : ينقسم الخطأ من حيث مدى تدخل الإرادة في ارتكابه إلى خطأ عمدي و خطأ غير عمدي ،فالخطأ العمدي هو الذي يعمد فيه الشخص إلى ارتكاب الفعل الضار قاصدا تحقيق النتيجة الضارة ، و لا يقتصر العمد هنا على الأخطاء الإيجابية ، بل يشمل الأخطاء السلبية أيضا متى كان القصد منها  الإضرار بالغير ، أما الخطأ غير العمدي أو خطأ الإهمال ، فهو نوع من الإخلال بالتزامات القانونية سواء كان منصوصا عليها أم لا ، و ذلك من غير قصد الأضرار بالغير ، و سواء كان الخطأ ناتجا عن أخطاء العمد أو الإهمال فإن المتضرر له الحق في طلب التعويض في كلتا الحالتين .

6-  الخطأ الجسيم و الخطأ اليسير : ينقسم الخطأ من حيث مدى خطورته ، إلى خطأ جسيم و خطأ يسير ، فالخطأ الجسيم يحصل عندما يخل الشخص بواجبات قانونية على جانب من الأهمية ، و إذا كانت معالم التفرقة بين خطأ الإهمال  و خطأ العمد لا تثير إشكالات قانونية لانتفاء قصد الأضرار بالغير في النوع الأول،  فإن الأمر خلاف ذلك بالنسبة للعلاقة بين الخطأ الجسيم و الخطأ الذي لا يغتفر ، رغم أن هذا الأخير يبدو في الواقع صورة من صور الخطأ الجسيم ،لأنهما يشتملان على نفس العناصر المادية و الشخصية المكونة لأخطاء الإهمال التي تكون عادة على قدر كبير من الجسامة و الخطورة ، و من هنا عمد المشرع المغربي إلى اعتبار الخطأ الذي لا يغتفر حالة من حالات الخطأ الجسيم و رتب عليه نفس الآثار.

أما الخطأ اليسير فهو يكون أقل خطورة من الخطأ الجسيم ، و إذا كانت القاعدة العامة  في هذا النوع من الأخطاء أنها تستحق  التعويض كغيرها ، فإن هناك استثناءات لا تجعل لهذا الخطأ اليسير أي اعتبار أثناء تقدير التعويض كما هو الحال بالنسبة للمسؤولية التقصيرية للقضاة ، حيث لا يسألون مدنيا إلا إذا كان الخطأ جسيما أو كان هناك نص خاص يقرر المسؤولية عن الخطأ اليسير. كما لا يسأل أرباب المهن الحرة عن هذا الخطأ إلا إذا كان عمديا ، رغم أن الاتجاه في الفقه و القضاء المعاصرين ، يقولان بوجوب مساءلة هؤلاء عن أخطائهم سواء كانت يسيرة أو جسيمة.

المطلب الثالث : علاقة الخطأ بنظرية التعسف في استعمال الحق :

4-  مفهوم التعسف في استعمال الحق :  التعسف لغة هو الغلو و أخذ الشيء على غير طريقته ، و اصطلاحا هو استعمال الحق على نحو يتنافى مع الهدف الاجتماعي الذي أنشئ من أجله ، و يعتبر صورة من صور نظرية الخطأ التقصيري ، و لا فرق في ذلك بين أن يكون فعل التعسف مقصودا في ذاته أم غير مقصود ، غير أن ذلك لا ينفي وجود فوارق جزئية بينهما :

-         الخطأ يستوجب التعويض و لو كان يسيرا ، أما التعسف الموجب للتعويض فيتعين أن يكون فاحشا.

-    الخطأ يرتكز في أصله على ارتكاب فعل غير مشروع ، في حين أن التعسف يرتكز في عمقه على مصلحة مشروعة تجاوز فيها صاحب الحق الحدود المعقولة و ألحق الضرر بالغير.

ورغم ذلك فإن النتيجة المترتبة عنهما واحدة ، و ي ضرورة إصلاح الضرر ، غير أنه و خلافا لحالات المسؤولية التقصيرية العادية ، و التي لا يلجأ فيها القضاء للتعويض العيني إلا على سبيل الاستثناء ، فإن الأضرار الناتجة عن التعسف في استعمال الحق ، غالبا ما يتم إصلاحها عن طريق إزالة أسباب الضرر.

5-  مظاهر التعسف في استعمال الحق : لعل أبرز مظاهر التعسف في استعمال الحق هي مضار الجوار ، و التي أشار المشرع المغربي إلى الحكم المترتب عنها في الفصل 91 من ق ل ع ، كما عدد حالات التعسف في استعمال حقوق الجوار مثل الأصوات المقلقة للراحة و غرس الأشجار دون احترام المسافات اللازمة و تسرب الدخان المكثف لمساكن الجيران.....

6-  موقف ق ل ع من نظرية التعسف في استعمال الحق : خلافا لمعظم التشريعات المدنية الحديثة التي خصصت حيزا مهما لنظرية التعسف في استعمال الحق ، فإن المشرع المغربي اكتفى فقط بعرض بعض الحالات التي يتحقق فيها ذلك ، و هو ما يتبين من خلال قراءة  الفصل 91 – 92 – 94  من ق ل ع م ، و من هنا نلاحظ ما يلي :

-    لم يكن موقف المشرع المغربي واضحا إزاء هذه النظرية ، إذ تناولها بصورة عرضية و هو بصدد الكلام عن الخطأ كعنصر في المسؤولية التقصيرية .

-    تأثر المشرع المغرب بالنزعة الشخصية عند محاولة وضع معيار التمييز في استعمال الحق ، هذه النزعة التي تهدف إلى تقديس الحقوق الفردية و عدم تقييد هذه المسؤولية إلا في أضيق الحدود.

-    لقد كانت هذه النظرة الضيقة لموقف المشرع المغربي من نظرية التعسف فيا استعمال الحق انعكاسا واضحا للموقف الذي سلكه المشرع الفرنسي في هذا الخصوص.

المطلب الرابع : أسباب انتفاء الخطأ التقصيري : قد يجتمع في الخطأ عنصره المادي و المعنوي ، و مع ذلك يعفى المخطئ من تحمل عواقل هذه المسؤولية ، و يتعلق الأمر هنا بأسباب الإباحة أو التبرير التي تجعل الفعل المحظور مباحا، و في هذا لإطار نلاحظ أن أسباب تبرير الخطأ تختلف عن أسباب انعدام المسؤولية المدنية كالقوة القاهرة و الحدث الفجائي و خطأ الضحية و الغير / إذ يؤدي هذا النوع إلى انعدام العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر ، ثم إن حدوثهما لا يرتبط أصلا بإرادة الشخص المسؤول و إنما بأفعال خارجية يترتب على حدوثها انتفاء المسؤولية.

أما أسباب الإباحة التي تنتفي معها المسؤولية ، فيلاحظ أن الفعل الضار يحصل بإرادة من المخطئ  ، و لا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الإرادة مدفوعة إلى ارتكاب الفعل الضار كالدفاع الشرعي أو غير مدفوعة إليه كما هو الحال بالنسبة لمن يقبل المخاطر.

4-  حالة الدفاع الشرعي : عرف المشرع المغربي الدفاع الشرعي في فق 2 من ف 95 ق ل ع ،بأنه الحالة التي يجبر فيها الشخص على العمل لدفع اعتداء حال غير مشروع موجه لنفسه أو ماله أو لنفس الغير أو ماله ، و إذا كان الدفاع الشرعي يؤدي إلى انتفاء الخطأ التقصيري ، فإنه في المقابل ، يؤدي إلى محو الجريمة في الميدان الجنائي، و فق ما هو منصوص عليه في الفصل 124 من ق ج – نص الفصل –

5-  حالة الضرورة : لم يتطرق لها ق ل ع ، فبالرغم من أنه اعتبرها واحدا من الأسباب المبررة التي تمحو الجريمة ، فإنه قيدها بجملة من الشروط الاستثنائية – شروط الضرورة كما هي في ق ج – ، و حالة الضرورة تعني أن يجد الشخص نفسه مضطرا لدفع خطر جسيم عن طريق التضحية بما هو أقل منه أو مساو له ، بشرط أن يكون هذا الخطر حلا وألا يكون المضطر هو الذي تسبب في نشوئه . ومراعاة للوضعية الحرجة و الاستثنائية التي يكون فيها المضطر لارتكاب الخطأ التقصيري ، فإن الرأي الغالب في الفقه و القضاء المعاصرين ، يذهب إلى اعتبارا لضرورة واحدا من الأسباب التي تؤدي إلى انتفاء ركن الخطأ و لو بصورة نسبية.

6-  حالة القبول بالمخاطر : هناك بعض الحالات التي يقبل فيها المضرور نتائج الفعل الضار، كالشخص الذي يقبل المشاركة في مباراة رياضية محفوفة بالمخاطر ، و في هذا الإطار فإن الرأي الغالب في الفقه يميز بين نوعين من المخاطر التي يقبلها المضرور :

-    مخاطر تلحق المضرورالمضرور في ماله : هذا النوع من المخاطر حصل الاجماع بشأنها فقها و قضاء على جواز تحمل المضرور لعواقبها لعدم مساس ذلك بالنظام العام.

-    مخاطر تلحق المضرور في سلامة جسمه و عقله : الأصل في هذا النوع هو عدم الاعتداد بالرضى الصادر عن المضرور بشأنها ، و عليه فإنه لا مجال لانتفاء الخطأ في الحالة التي يحصل فيها الاتفاق مسبقا بين الضحية و غيره على أن يضع هذا الأخير حدا لحياة الأول أو يلحق به ضررا أو تشويها. غير أن هناك استثناءات أجاز فيها المشرع قبول نوع معين من المخاطر خصوصا في الميدان الرياضي و الطبي ،  و هو ما يحتم على القضاة عدم القول بانتفاء المسؤولية المدنية في ظل حالات القبول بالمخاطر إلا في أضيق الحدود خصوصا عندما يكون هذا القبول مرخصا به وفقا لقوانين و أنظمة خاصة.

Posté par siachour à 12:28 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur المسؤولية التقصيرية

Nouveau commentaire