الفعل النقابي داخل المحاكم وأسئلة الخصوصية

" بقلم: ذ· عبد الله بمع(*) 

ليس مجانا أن نثير مسألة الفعل النقابي داخل المحاكم وأسئلة الخصوصية التي تروم حوله لتسييج حق ممارسته، وبالتالي مصادر مشروعية حق الإضراب داخل مرفق العدل بعزله عن شرط تواجده النقابي والمطلبي والتي أتاحت الفرصة أمام مراكز القرار في محاولة لاستئصال التجربة النقابية داخل القطاع واجتثاث جذورها من أصلها الحقوقي لإعاقة كل الطموحات التي تتوخى الإصلاح والتغيير والتحديث·
فصدامية الفعل النقابي بأسئلة الخصوصية وبما تعتبره بعض الجهات المسؤولة استراتيجية صراعية تنبجس صورتها في شخصانية المطالب للشغيلة، لا قناعة حقوقية ولم تسمح لنفسها بادراك هذه الممارسة النقابية من داخل سياق الانتقال الديموقراطي الذي يعرفه المجتمع بجميع مؤسساته ومكوناته، كما أن تحوير الاحتجاج النقابي الذي تقوم به شغيلة العدل بما تصفه بعض الجهات "بالمطلب الشخصي" ماهو الا سياج دوغمائي وتفسيرا يتيما ومأزقيا لإزالة صبغة المشروعية عن فعل الاحتجاج·
فلقد أثارت ممارسة الحق في الاضراب داخل مرفق العدل بل وحتى الاعتراف به كحق من حقوق الانسان وكوسيلة للدفاع عن مطالب قطاعية مجموعة من المشاكل والصعوبات والمرتبطة أصلا بالخصوصية المميزة لمرفق العدل رغم أن هذه الخصوصية توصيف يلحق بجميع مرافق الدولة التي تقدم خدمة للمواطن، الشيء الذي يتطلب لإبراز هذه الخصوصية المنفرد بها قطاع العدل تقديم الإجابات المادية المطلوبة والمناسبة وعلى قاعدة الفهم الدقيق والموضوعي للراهن الحقوقي والقانوني، وليس من الضروري أن نستخدم ذاكرتنا للتذكير بالمحطات الأساسية التي كانت وراء هندسة المشهد النقابي الحالي داخل القطاع وما عرفه من احتواءات والتي لازال المشهد النقابي يعيش تداعياته مما جعل مشاكل القطاع تعرف تراكمات ولحظات تشنج تحتاج إلى تشخيص، حيث أريد للفعل النقابي أن يظل محتقنا ومفرغا من مضامينه· و لقد تعمق الفراغ النقابي داخل مرفق العدل الشيء الذي ساهم بكثير في تعويم مطالب القطاع وملفات ادارة الأعمال الاجتماعية بحجمها الضخم كل ذلك لجعجعة الراهن المطلبي والحقوقي بكثير من التحفظ والحذر وبحضور هاجس الترهيب والتحرش الذهني واستتباب ذهنية ونفسية الاستتباع أو منطق "الحاشية" وهو ما قزم هامش الانفتاح النقابي وقوى فرض التهميش والانعزال القطاعي على مستوى الحقوق والمطالب·
فهذا التخريج مستنبط من القراءة الواقعية والموضوعية لطبيعة وخصوصية مرفق العدل من جهة، ومن جهة ثانية لوجود بنية ادارية منغلقة على ذاتها حفاظا على توازنها البيروقراطي، لا غية كل آليات التواصل، وكلها مخاضات نتج عنها تشكل فعل نقابي داخل رحم مرفق العدل·
فحقيقة حين نقف عند اسئلة الخصوصية لمرفق العدل، قد لا نسمح لأنفسنا أن نقدم هذا القطاع كنموذج استثنائي لهذه الخصوصية التي "تتلكأ" رياحها في ولوج الأبهاء المعتمة للحياة المهنية لموظفي العدل دون أن تعبر عن مطالبها المهنية والإجتماعية، ومن الخطأ أن تتعايش هذه الشريحة بمورثها السلبي مع معطيات التحديث الذي تسعى إليه الوزارة الوصية على القطاع والذي يشكل مطلبا أساسيا للحركة النقابية داخل القطاع·
فمبدأ الدمج الذكي والتفسيرات الذرائعية لأسئلة الخصوصية هي قسط من عقلنة اجهاض الفعل النقابي والانتقال به إلى مستوى من الفاعلية داخل هذا المرفق دون الامساك بناصية الحقيقة الدستورية التاوية خلف المحيط المنشئ للنص الدستوري الذي يضمن ذلك الحق، إن لم نقل التضحية بالنص الدستوري قربانا على مذبح اسئلة الخصوصية· أو لم نقل أن الدستور مصدر شرعية ومشروعية كل الانتاجات القانونية وكل القرارات الصادرة عن الهيئات السياسة والادارية الفعالة باسم الدولة؟ أولا يمكن القول أننا نعيش مجازا دستوريا حين لا ينقلنا النص الدستوري الذي يضمن الحق النقابي الى مرحلة "تقييد" الادارة· فعندما نتجاوز الدستور تحت طائلة أي اعتبار من الاعتبارات، فإننا نفسح المجال لنتجاهل الدستور وإهماله وتعطيل نصوصه وحتى إن كنا أمام خصوصية مرفق العدل فذلك يجعل من المفروض الوقوف على المعطيات الموضوعية للنص الدستوري الذي يضمن حق الاضراب حتى لا ينفصم النص عن عالمه المفاهيمي، وحتى لا نأسس لخطاب التحريم انطلاقا من افتراض إعاقة الحدود الدستورية·
فكثيرة هي الأسئلة التي تدفعنا الى اللهث وراء أسئلة الخصوصية، والبحث عن طلاسيم من عيار "شخصانية" المطلب كبلسم شاف يتم الترويج له والتي تدخل من باب الدجل الفكري المبشر بوأد العمل النقابي وهو ما يترجم الانسداد الرهيب في شرايينه التنظيمية لدرجة التشكيك في المرجعيات المؤطرة للاحتجاج داخل القطاع·
فالحديث عن خصوصية مرفق العدل هي بداية التساؤلات عن طبيعة هاته الخصوصية التي لا طائل من طرحها سوى التدقيق في مواصفاتها عبر مجموعة من المقاربات التي تقفز بالفعل النقابي إلى دائرة اللامشروع وتجاهل واقع الترابط القائم بين النقابة كتنظيم والاضراب كقوة وحيدة بيد هذا التنظيم لما قد يهدد قاعدة استمرارية المرفق وتفضيلا لمقتضيات الصالح العام، علما أن الاضراب ماهو إلا ترجمة فعلية لفشل المفاوضات وضعف البنيات التواصلية للقطاع ومن ضمن هذه المقاربات ما يتصل بالثوابت الدستورية للبنية المؤسساتية لمرفق العدل ومظهر من مظاهر سيادة الدولة وتنضاف إليها خصوصيات أخرى من قبيل الطبيعة الوظيفية للمرفق وغيرها··· وعبر هذه الخصوصيات سنحاول بلورة التقاطعات وصور التفاعل والتوفيق بين استمرارية المرفق وممارسة الحق النقابي المتجسد فعله في الاضراب، ونوجزها فيما يلي:
أ - البنية المؤسساتية والدستورية للقضاء
إن نص مرفق العدل في المتن الدستوري نابع بالأساس من الشرعية الملكية وانتمائه لحقل الامارة والإمامة، إذ أن القضاء عمل ولائي وأن أمير المؤمنين كمعهد لاصدار القيم الدينية والدستورية والسياسية دون باقي المرجعيات الأخرى من فقه وبرلمان وقضاء، إذ أن القضاة الذين يعينون بظهيربناءا على الفصل 85 من الدستور يصدرون أحكامهم باسم جلالة الملك، وحسب نظرية الامامة التي يقوم عليها الأساس الديني للشرعية الملكية في المغرب، فإن مهمة القضاء تكون بيد أمير المؤمنين الذي ينوب عنه قضاة يحكمون باسمه كما أن الملك يملك حق العفو الذي تعود أصوله إلى حق الشفاعة في الاسلام، ويترأس المجلس الأعلى للقضاء وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وتعتبر هذه المبادئ من الثوابت الدستورية·
ب - الخصوصية الحقوقية والاقتصادية لمرفق العدل:
وترتبط بالأساس بكون جهاز القضاء يتوقف عليه كل اقلاع اقتصادي وتنموي وأمن اجتماعي وتوفير الشروط المنشودة لتنفيذ الاستثمار الداخلي والخارجي، كما يتوقف عليه كل انتقال ديموقراطي يمكن من ترسيخ احترام الحقوق والحريات الأساسية، وبالتالي فهو قطاع منتج وفاعل في التنمية·
ت - الخصوصية الوظيفية المرتبطة بطبيعة نشاط
مرفق العدل
ويمكن اختزالها على المستوى القضائي في هاجس الضمانات الأساسية للمتقاضين وغيرها من الأعمال الاجرامية التي تقوم بها مؤسسة كتابة الضبط إلى جانب مؤسسة القاضي و المرتبطة بالدعاوي القضائية باعتبار هذه الأخيرة مرتبطة زمنيا وقانونيا بمجموعة من الاجراءات تحت طائلة عدم قبولها وبالتالي ضياع الحق·
فعمل كتابة الضبط داخل مرفق العدل ينطلق من منطق الضبط والانضباط والانتظام بما يتماشى مع مصير الدعوى والنزاعات المعروضة أمام القضاء استهدافا للاعتراف بالحق وحمايته، ومن ضمن الاجراءات المرتبطة زمنيا وقانونيا بالحق، الآجال القانونية للطعن غير القابلة للتمديد أو الاجازة وهو ما لا يدعو لتعطيل المصالح حتى لا تفوت على المتقاضي حقوق الطعن، كما أن غياب كتاب الجلسة يؤثر على النصاب القانوني للهيئة القضائية إلى جانب ذلك هناك زخم من الأشغال كالتنفيذات واستخلاص الغرامات والرسوم القضائية والتبليغات القضائية وفتح الملفات والاستدعاءات··
أن الهدف من إبراز هذه الخصوصيات ليس استحضارا مدرسيا للدور الذي يقوم به قطاع العدل بقدر ما تدخل في رصد معوقات الفعل النقابي ضمن قناعة مبدئية لأهمية هذه الخصوصية التي لاتسمح من منظور الادارة بمقتضاها ممكنات الفعل النقابي داخل القطاع لماله من تأثير على قاعدة استمرارية المرفق، رغم أن هذه الخصوصية تكشف النقاب عن الهوة المبدئية بين الأعمال المعهودة لمؤسسة القاضي والأعمال المعهودة لمؤسسة كتابة الضبط وإلا ما كان ليصدر تشريع خاص بالقضاة المتجسد في النظام الأساسي للقضاة الذي يمنعهم من الحريات النقابية بصفة عامة·
فالفعل النقابي داخل المحاكم يشكل أحد الافرازات الموضوعية لحقل المطالب المهنية والاجتماعية لشغيلة العدل· ولنعترف أولا، أن مرفق القضاء يشكل دوما مجالا للملك وهو ما بمعنى وجود استراتيجية ملكية تهم الشأن القضائي وظل الملك مؤطرا لحقل مطالب شغيلة العدل من موقع الطابع الدستوري للمؤسسة وهو ما تجسد في خطاب أكادير، إلا أن الفعل النقابي داخل المحاكم لم يتبلور خطابه على مستوى الممارسة إلا بعد احساس موظفو العدل بالغبن من طرف الجهاز الحكومي ووجدت كتابة الضبط نفسها على هامش الاصلاح القضائي يتجاهل مطالبها وفي غياب آليات لتفعيل الخطاب الملكي المؤطر لهذه المطالبة في الوقت الذي عرفت فيه أجور القضاة تحسنا، أمام هذا الوضع وجدت الحركة النقابية داخل القطاع أنه لاجدوى من ارتهان عملها بأسئلة الخصوصية محاولة بذلك الانفلات من دائرة هذا التصور لتوثق حسها النقابي بالمرجعية الدستورية وتبدي نوعا من الشفافية في الدفاع عن مطالبها وهي حتما الشفافية التي لاتروق الادارة وبعد الحضور النضالي الذي كلف بعض المسؤولين النقابيين جزاءات تأديبية وتنقيلات تعسفية لدرجة التهديد باقتطاع الأجور للمضربين بإعمال مرسوم 2 فبراير 1958 كتوظيف دفاعي، ومن هنا تكمن الاشكالات القانونية لممارسة حق الاضراب، إلا أن طرح مسألة الفعل النقابي من داخل القطاع وعلى قاعدة أسئلة الخصوصية بمثابة "الشجرة التي تحجب عنا الغابة" وقد لاتدفعنا الى توسيع دائرة الاشكالات القانونية التي يطرحها حق ممارسة الاضراب داخل المرفق العام وسنحاول بذلك أن نتجاوز منطق المعالجة الأحادية للقطاع والانفلات من قاموس الخصوصية التي يتجاذب الممارسة النقابية داخل المحاكم نحو ترهل خاص مع التأكد أن الفعل النقابي يحتاج الى أن نؤطره في سياقه الحقوقي والقانوني العام والاشكالات القانونية التي يطرحها حق ممارسة الاضراب والمواقف الرسمية والنقابية المتباينة وبالتالي سنعرض للقضاء الاداري الذي حاول ملئ الفراغ القانوني ومن المفيد عرض التطور الذي عرفته صور التفاعل والتوفيق بين مبدأ استمرارية المرفق العام وممارسة حق الاضراب·
فحقيقة تثير مسألة الاضراب في المرافق العامة جدلا كبيرا ومستديما، ويعزى ذلك بالأساس، الى وجود نصوص قانونية مبهمة في الموضوع من جهة، والى حرص العاملين بالمرافق العامة على ممارسة هذا الحق في عدة مناسبات من جهة ثانية والى غياب أحكام القضاء الاداري في الموضوع من جهة ثالثة·
ويعد الاضراب من أخطر ما يهدد سير المرافق العامة بانتظام واطراد مما حذا بالمشرع والقاضي الاداري الى تحريمه وأحيانا تقييده في نطاق المرافق العامة أو الى تنظيمه بشكل يكفل حقوق العاملين وحقوق المنتفعين من خدمات المرفق·
فالتفسيرات والتأويلات المختلفة للنصوص القانونية المنظمة للاضراب خلقت مواقف متباينة بين متمسكة بصيغة مرسوم 1958 وبين داعية لتطبيق الفصل 14 من الدستور اعتبار المرسوم السابق لاغيا وهذا ما يتجسد بوضوح من خلال عرض الموظفين الحكومي والنقابي من هذا الأمر (1
صور التباين بين الموقف الرسمي والنقابي لممارسة حق الاضراب:
الموقف الحكومي:
يستند الموقف الحكومي أساسا على مقتضيات الفصل 5 من مرسوم 1958 وبالتالي فهو يذهب في اتجاه منع ممارسة الحق في الاضراب، مستندا في ذلك بحجة مفادها أنه لايمكن للحقوق المعترف بها دستوريا أن تمارس إلا إذا كانت منظمة، وفي انتظار اصدار قانون تنظيمي في الموضوع فإن القوانين السابقة على الدستور تبقى سارية المفعول، وانطلاقا من ذلك فإن النص القانوني الشرعي يبقى هو مرسوم 1958 وللتأكيد على شرعية هذا النص ـ الفصل 5 من مرسوم 1958 ـ تقول الحكومة بأن هذا المرسوم اعترف بشرعيته المجلس الأعلى في سنة 1961 في القرار المعروف بقضية الحيحي محمد ضد وزير التربية الوطنية عندما اعتبره اجراءا تطبيقيا لأحكام ظهير 16 يوليوز 1957 حول النقابات مؤكدا عدم وجود تناقض بين هذا المرسوم والظهير المتعلق بالوظيفة العمومية، وبمقتضى نفس القرار اعتبر المجلس الأعلى الاضراب من الأخطاء الجسيمة وبالتالي يجب تسليط العقوبات الجزئية على القائمين به· ورغم صدور الدستور الأول لسنة 1962 وتضمينه في الفصل 14 للحق في الاضراب، فإن الحكومة لم تحترم مقتضيات هذا الفصل بدعوى عدم صدور القانون التنظيمي المنظم له، الأمر الذي يمكن اعتباره مسا خطير بمبدأ سمو وعلو مقتضيات الوثيقة الدستورية·
الموقف النقابي:
على خلاف الموقف الحكومي المعارض للاضراب والمتشبث بمضامين الفصل 5 من مرسوم 1958 فإن النقابات ومعها الجمعيات الحقوقية وأغلبية الفقه ذهبت الى اعتبار الفصل المذكور لايتمتع بالشرعية وبالتالي فهو غير دستوري لمخالفته لبنود الفصل 14 من الدستور ولتبرير هذا الموقف فقد تم التركيز والدفع بالأسانيد التالية:
1
ـ أن الصيغة العامة التي وردت في الفصل 14 من الدساتير المغربية الضامنة لحق الاضراب وتلك التي جاءت في الفصلين الأول والخامس من ظهير 16 من يوليوز 1957 والمتعلق بالنقابات المهنية والضامنة للحق النقابي لاتسمحان من الناحية القانونية بالقول بعدم مشروعية هذين الحقين بالنسبة لفئة الموظفين مادام أن "الاطلاق يؤخذ على اطلاقه
2
ـ أن السند القانوني لمشروعية اضراب الموظفين يستنتج من مفهوم مخالفة النصوص التشريعية التي منعت صراحة الاضراب على بعض الفئات العاملة في القطاع العام (رجال الأمن، الجيش، القضاة، موظفو ادارة السجون···) وبما أن المشروع عمد الى تحديد فئات الموظفين المحرومة من ممارسة حق الاضراب على سبيل الحصر، فلا يمكن فهم هذا الموقف التشريعي إلا أنه يعني ضمان حق الاضراب بالنسبة لباقي الفئات الأخرى من الموظفين ومن المعلوم في فقه القانون أن الأصل في الأعمال الإباحة ما لم تمنح بنص خاص·
3
ـ أن الاعتراف بمشروعية الفصل 5 من مرسوم 1958 ستجعله اجراءا بالرغم من طابعه العام متوازيا من حيث القيمة القانونية مع الفصل 14 من الدستور وهذا لايجوز من الناحية القانونية على اعتبار أن قواعد الدستور تحتل المرتبة العليا في سلم تدرج القواعد القانونية ولهذا فبمجرد صدور 1962 وتضمينه في الفصل 14 لحق في الاضراب فإن مقتضيات الفصل 5 من مرسوم 1958 تعتبر لاغية وغير شرعية لتناقضها مع قانون أعلى درجة·
4
ـ أن مرسوم 1958 يدخل في إطار اختصاص السلطة التنظيمية وبالتالي فلا يمكنه أن ينظم الاضراب في إطار النص الدستوري الصريح، والذي يشترط صدور قانون تنظيمي يبين كيفية وحدود ممارسة الحق في الاضراب· وأن هذا المرسوم صدر قبل العهد الدستوري الذي بدأ أواخر 1962 في وقت لم تكن توجد به أية أحكام قانونية معاكسة لهذا الواقع القانوني الذي تغير رأسا على عقب بعد صدور دستور 1962، مما يعني أن تنظيم الاضراب أصبح يدخل في مجال اختصاص القانوني وخرج من اختصاص السلطة التنظيمية·
بالإضافة الى كل هذه الحجج والأسانيد فإن موقف النقابات وموقفا الفقه بخصوص حق الموظفين في الاضراب وجد دعما وسندا ملكيا، حيث أن الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الساهر على احترام الدستور قد أكد على مبدأ مشروعية الحق في الاضراب· وهكذا فبعد أن ذكر بمضمون الفصل 14 من الدستور الضامن لحق الاضراب في خطاب 9 يوليوز 1981 أضاف جلالته: "····· حق الاضراب، أنا شخصيا لا أجادل فيه····"، بل أن اقتراح جلالته لبعض أشكال الاضراب ـ كالاحتجاج بالشارة ـ على قطاع من قطاعات الوظيفة العمومية ـ تم ذلك في خطاب ملكي بتاريخ 7 فبراير 1985 بمراكش أمام ممثلي رجال التعليم ـ لأكبر دليل على مشروعية اضراب الموظفين لم تعد من حيث المبدأ مجالا للشك·
موقف القضاء الاداري:
القضاء الاداري جريء، حاول أن يملأ الفراغ القانوني الموجود نتيجة لعدم صدور القانون التنظيمي بشأن الاضراب طبقا للفصل 14 من الدستور، واعتبر أن الجزاءات التأديبية التي يتعرض لها المضربين موسومة بتجاوز السلطة كما في قضية محمد شيبان ضد وزير التربية الوطنية ـ حكم عدد 63 ـ 2001 ـ 3 بتاريخ 2001/07/12 الصادر عن المحكمة الادارية بمكناس (ü)·
ولقد اهتم القضاء الاداري على توضيح الشروط الواجب مراعاتها والتقيد بها حتى يمكن للموظف أن يمارس حقه الدستوري دون خوف من متابعة أو مساءلة وبما ينسجم مع مبدأ استمرارية المرافق العامة الذي يعد كذلك من المبادئ العامة للقانون· فحق الاضراب هو استثناء من مبدأ الاستمرارية الذي بدونه لاتستقيم مصالح المرتفقين، لأن المرفق العمومي لم ينشأ إلا لأداء خدمات للجمهور، وكل خلل أو توقف هذا المرفق أو ذاك لسبب أو لآخر، يؤثر سلبا على مصالح الأفراد·
ومن بين الشروط التي أوردها القضاء الاداري لاعتبار الاضراب مشروعا نذكر (ü):
ـ إخبار السلطات المعنية بالاضراب المراد القيام به وتوقيفه·
ـ أن يستهدف الاضراب تحقيق مكاسب مهنية أو الدفاع عنها·
ـ أن يتم بناءا على توجيه من نقابة ذات تمثيلية ومشكلة تشكيلا قانونية·
ـ أن يكون محددا في الزمان·
وبمفهوم المخالفة لتلك الشروط يمكن القول بأن الاضراب المفاجئ والاضراب السياسي والاضراب المفتوح في الزمان، والاضراب غير المعلن عنه من طرف نقابة قانونية وذات تمثيلية حقيقية··· كلها تعتبر أنواعا غير مشروعة من الاضراب·
وعموما يمكن القول بأن القضاء الاداري حاول سد الثغرة القانونية وذلك بتأكيده بأن المنع المطلق الوارد في المادة الخامسة من مرسوم 5 فبراير 1958 يسقط ويعتبر لاغيا لعدم مشروعيته ولعدم انسجامه مع مقتضيات الدستور إلا أنه مع إقراره بقانونية وشرعية الحق في الاضراب فإنه يربط ممارسته بمجموعة من الضوابط المشار إليها أعلاه حتى تأخذ الادارة كل احتياطها وذلك حفاظا على مبدأ استمرارية ودوام المرافق العامة وهو بذلك حاول التوفيق بين المصالح الخاصة للمضربين عن العمل والمصلحة العامة للوطن·
وخلاصة القول أن إيراد المقاربات القانونية وصور التفاعل والتوفيق بين مبدأ استمرارية المرفق العام وحتى ممارسة الاضراب لم يكن الغاية منها إلا لنتحسس نبض الفعل النقابي داخل المحاكم، وأنه كان من الواجب أن نؤطر اشكالاته داخل مجاله القانوني العام وفي سياقه الحقوقي والحداثي، كما لايمكن الانفلات من أسئلة الخصوصية لمرفق القضاء الذي يعرف ظرفية تفرض عليه جملة من التحديات منها ماهو ذو بعد اقتصادي ومنها ماهو ذو بعد اجتماعي وحقوقي، وأن القضاء وهو يعيش مرحلة انسلاخ من جلدة موروثه السلبي نحو التحديث، فإن الفعل النقابي في عمقه يتجاوب مع روح هذا التحول وروح هذه الخصوصية ويبقى الأساس هو ابداء حسن النية والارادة العميقة لإحداث نقلة نوعية في تدبير الادارة القضائية عبر الاهتمام بالرأسمال البشري لينال حظه من هذه الخصوصية التي يجب استقطابها لصالحه عبر تحسين الظروف المهنية والاجتماعية لموظف القطاع·


المراجع: (*) الحكم منشور بالمجلة المغربية للمنازعات القانونية عدد 2
(*)
الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للعدل
فرع ورزازات ـ زاكورة


4/19/2005

الإتحاد الإشتراكي 2004- جميع الحقوق محفوظة

| |